مايا العمار | Thursday 23 July 2020

مها غزال واجهت الابتزاز… فجاءها العقاب من “فضاءات” الذكوريّة!

بعد بثّها فيديو عبر صفحتها على فيسبوك كشفت فيه عن ابتزاز تعرّضت له في “تلفزيون سوريا”، شاركت الصحافيّة السوريّة مها غزال تفاصيل ما حدث معها، وأعلنت أنّها ماضية في معركة انتزاع حقوقها، لا سيّما بعد قراءتها بيان “تلفزيون سوريا” التمييعي وردود مؤسسة “فضاءات” المخيّبة…

“كنتُ كلّ ما مرّت 10 دقائق، أعاينُ “غوغل” وأكتبُ اسمي في محرّك البحث لأرى إذا كانت صوري وحواراتي الشخصيّة سُرّبت أم بعد. عشتُ حالة غضب وقلق وصدمة لم أفهم كيف ولماذا رُميت فيها. وعلى إثر الابتزاز الذي تعرّضتُ له لدفعي إلى الاستقالة من عملي، أُدخلتُ مباشرةً إلى قسم العناية المشدّدة، ثمّ بقيتُ أسبوعاً كاملاً كالمكبّلة، غير قادرة على الكلام والتفاعل. قضيتُ الأسابيع الماضية أنتظر نتائج المحادثات وتوسّط الأصدقاء مع أعلى الجهات في مجلس الإدارة بين تركيا وقطر…”. 

مها غزال

بهذه العبارات، تصف الصحافيّة السوريّة والمسؤولة (السابقة) عن جودة الإنتاج في “تلفزيون سوريا”، مها غزال، لـ”درج”، ما مرّت به عقب اكتشافها حقيقة اختراق حساباتها الشخصيّة بأمر من المدير الإداري والمالي في اجتماع عُقد الشهر الماضي بحضور المدير العام لـ”تلفزيون سوريا”، مالك داغاستاني، لدفعها إلى تقديم استقالتها. صاحب هذه الرغبة هو نفسه المدير الإداري والمالي المُتَّهم بإعطاء الأمر بخرق حسابات مها بقصد ابتزازها بنشر صور ومعلومات خاصّة إن لم توافق على تقديم استقالتها. 

تكرّر هذا التهديد على منصّات التواصل الاجتماعي أكثر من مرّة، حتى أنه اتّخذ شكل انتحال شخصيّات أصدقاء مقرّبين من مها، ومحاولات خرق متتالية لحساباتها كانت الغاية منها إفهامها أنّها محاصرة، وأن تحقيق أمنية المدير الإداري والمالي باستقالتها هي المنفذ الوحيد من المأزق الذي نُصب لها. 

وتسأل مها في حديثها مع “درج”، “لم أفهم، لمَ حصل كلّ ذلك لي؟ لمَ حرب العصابات هذه؟ لمَ هذا الأسلوب المؤذي، إذا كان الهدف التخلّص منّي فقط؟ فعلاً لم أجد سبباً مقنعاً يبرّر حجم الهجمة عليّ.”

“أتفهّم كثيراً النساء والعاملات، ولا سيّما اللاجئات، اللواتي يتردّدن قبل مشاركة الناس بما يتعرّضن له. لكنّني اليوم اكتشفتُ أن الأمان هو أن نبوح، لا أن نسكت”

بعد مرور أسابيع على اجتماعها بالمدير الإداري والمالي، علمت مها من زملاء لها حضروا اجتماعاً داخليّاً في المؤسّسة تلا صدور القرار بإقالتها ودعوة المتّهم باختراق خصوصيّتها إلى الاستقالة، أنّ الأخير اعترف رسميّاً بأنّه أمر بإتمام عمليّة الخرق ووضع يده على كنزٍ ثمينٍ من المعلومات الخاصّة بحياتها الشخصيّة.

تؤكّد مها لـ “درج” أنّ معظم زملائها تضامنوا معها بمعزل عن مضمون التفاصيل أو الصور التي حاول المُنتِهك إحراجها بها. وقالت إنّ الموظّفين لم يكترثوا -لا هم ولا المدير العام مالك داغاستاني- لما يمكن أن تتضمّن الصور والمحادثات، لأن المبدأ الأساس أن ليس لأحد الحقّ في انتهاك خصوصيّة أي موظّف، لا سيّما النساء اللواتي غالباً ما يُستسهل ابتزازهنّ وتعييرهنّ بسلوكهنّ وحياتهنّ الشخصيّة.

وبالفعل، أُحيطت مها بردود داعمة كثيرة، من منظّمات عدّة كالحركة السياسية النسوية السورية واللوبي النسوي وشبكة المرأة السورية ونادي الصحافيين السوريين. وفي هذا الإطار، حاول “درج” التواصل مع أمين عام “بيت الإعلاميّين العرب” الصحافي السوري عمر كوش لاستيضاح موقف التجمّع ممّا حدث مع مها، إلا أنّه لم يتلقَّ تعليقاً في هذا الشأن. 

إقالة “مها غزال” واستقالة “مالك داغاستاني”… لكن ماذا عن المُنتهِك؟

إذاً، تفاعل الآلاف مع الفيديو الذي صوّرته مها مباشرةً من مقرّ تلفزيون سوريا في تركيا، وبثّته على صفحتها على فيسبوك يوم الخميس 16 تموز/يوليو، فور انتهاء اجتماعها الأخير مع المدير العام، مالك داغاستاني، والذي تقول مها لـ”درج” إنّه كان بالفعل داعماً لها وسعى إلى إنصافها منذ لحظة انكشاف الابتزاز خلال الاجتماع الذي هُدّدت فيه، بحضور داغاستاني نفسه، بفضح معلوماتها الشخصيّة إن لم تستقل. 

وفي مزيد من التفاصيل، تخبر مها أن يوم بثّها للفيديو، كانت خارجة لتوّها من اجتماع مع داغاستاني أخبرها خلاله أنّ القضيّة لا تتقدّم لصالحها على رغم استهجان الجميع، بمن فيهم فريق شركة “فضاءات” القطريّة المسؤولة عن القناة، لفعل الانتهاك الذي طالها، وأن لا شيء يُنبئ بأن ما طالبت به لتحقيق العدالة وتعزيز شعورها بالأمان في مكان عملها سيتحقّق. وما لبث داغاستاني أن أعلن غداة لقائه مها عن استقالته من منصبه خلال اجتماع عام جرى مع الموظّفين في المؤسّسة، مبرّراً قراره برفضه الاستمرار في ممارسة عمله فيما هو عاجز عن حماية موظّفة، والحفاظ على عملها الذي أُقيلت منه بشكل تعسّفي ومن دون أي إنذارات مسبقة، وضمان محاسبة مَن خرق خصوصيّتها.

أودت صدمة الابتزار بمها إلى المستشفى، لكن المفارقة كانت إبعادها هي عن عملها في انتظار ما ستؤول إليه التحقيقات، بدلاً من إبعاد الشخص المتَّهم والمُنتهِك عن عمله وعن المساحة التي كان من المفترض أن تجتهد الإدارة أن تكون آمنة لها ولغيرها، وعدم الاكتفاء باستخدام العبارات الجاهزة والنظريّة حول إيمانها بالمساواة ورفضها ممارسات المفاضلة.

بيان “إدارة تلفزيون سوريا” ومتلازمة “الضحيّة مُذنبة”

لم تفضِ المفاوضات التي توسّط أصدقاء لإجرائها مع إدارة “فضاءات” إلى نتيجةٍ منصفة، لا بل أكثر من ذلك، يبدو أنّها سهّلت حياةَ مُرتكب الابتزاز عبر تأمين استقالةٍ كريمة له لم يُعرف مصيرها بعد، وإهمال سلسلة من التدابير البديهيّة، كإلزام المُنتهِك على توقيع تعهّد بعدم نشر البيانات الشخصيّة التي استولى عليها حتى بعد إتلافها، علماً أنّ إدارة “تلفزيون سوريا” اعترفت علناً بوقوع الاختراق في بيان أصدرته يوم الجمعة 17 تموز/يوليو، زاعمةً فيه أنّها تعاملت مع “شكوى” مها “بالجدّية والحزم اللازمين عبر إجراء تحقيق شامل أسهم في كشف هذا الخرق ومعاقبة مرتكبه”. 

لكن سرعان ما ألغت الإدارة مفعول هذا الاعتراف بركونها في فقرة لاحقة إلى التكتيك الذكوري التقليدي المتمثّل بإعادة زجّ الضحيّة في خانة الاتّهام. وقد وقع هذه المرّة الاختيار على تهمة استخدام الضحيّة للحادثة “للتغطية على “سوء تصرّف” و”تجاوزات” في العمل و”تشهير”، واحتفظت الإدارة بحقّها في متابعة الأمر قضائياً.

بالنسبة إلى مها، إنّ بيان الإدارة غير دقيق لأنها لم تتقدّم بشكوى أصلاً، بل انتظرت لأسابيع أن تتحرّك الإدارة لإنصافها، مستغربةً اتّهامها بارتكاب التجاوزات، هي التي لم تُوجَّه إليها أي ملاحظة على مدى الأعوام الأربعة من توظيفها في التلفزيون، لا بل تمّت ترقيتها إلى مديرة قسم جودة الإنتاج، كما تروي مها. 

وتسأل، “لماذا التهديد باللجوء إلى القضاء؟ هل كان المطلوب أن تسكت المرأة على الانتهاكات التي تعرّضت لها؟”. 

وكما هي الحال في معظم انتهاكات الابتزاز، تنقسم الردود بين المتضامنة، والمُدينة، والمُراوغة التي إمّا لا تعبّر عن موقفها بوضوح، أم تبحث بين سطور الحكاية عمّا يجعل من المُنتهكة كائناً لا يرتقي تماماً إلى مرتبة الضحيّة المثاليّة.

ليست مها المرأة الأولى التي تتعرّض للابتزاز وتتلقّى الردود التائقة إلى زرع الشك في روايتها أو تخويفها من مستقبل مهني قاتم، في الفضاءات الخاصّة والعامّة، وفي عالم العلاقات وعالم الأعمال، لكنّها فعلاً ودّت أن تكون الأخيرة، ولذلك شاركت علناً ما حصل معها، لأنّها مدركة أنّ تلك الممارسات طالت وقد تطال نساء كثيرات غيرها بسبب التمييز المجتمعي والقانوني والمهني الممارس ضدهنّ. ولم تكتفِ مها بما أتاحه لها فيسبوك، إنما اتّخذت صفة الادّعاء الشخصي أمام القضاء التركي بالاستناد إلى مواد التهديد والابتزاز وخرق الخصوصيّة، وهي في صدد العمل جدّياً على مواجهة قرار صرفها التعسّفي وحرمانها جوراً من عملها. 

“قبل الفيديو كنتُ لا أزال متوجّسة من تسريب صوري وبياناتي. لكن حالما نشرتُ قصّتي وتلقّيتُ الرسائل المتضامنة والمتعاطفة معي، شعرتُ أنني أكثر استعداداً للمواجهة، وأقل عرضةً للابتزاز. أحسستُ بالأمان، لأن الناس تضامنوا مع قضيّة أخلاقيّة بالدرجة الأول لا معي كـ”مها”. 

وتختم مها، “أتفهّم كثيراً النساء والعاملات، ولا سيّما اللاجئات، اللواتي يتردّدن قبل مشاركة الناس بما يتعرّضن له. لكنّني اليوم اكتشفتُ أن الأمان هو أن نبوح، لا أن نسكت.”