جان هاشم نايف | Monday 29 June 2020

من القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية… اخترنا رواية “الحي الروسي” لخليل الرزّ

في روايته “الحي الروسي”(منشورات دارَيْ ضفاف والاختلاف، 2019، القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربيّة 2020)، يقارب خليل الرزّ الحرب السورية، وربما كل الحروب، من زاوية نظر مختلفة. فهو لا يأخذنا مباشرة إلى وقائع الحرب الدائرة بويلاتها وفظائعها، بمعنى أنه لا يقدم نصاً تسجيلياً وتقريرياً بل نص تفاعلي حافل بالرمزية. فكيف ينطلق الرز من حياة الناس العاديين المسالمين وحيواناتهم في الحي الروسي المفترض، على حدود العاصمة القديمة دمشق، ليقدم مقاربته للحرب التي تدور حولها وبإدارة سلطاتها؟ نحاول تقديم الإجابة من خلال قراءة لروياته في هذا المقال.

رواية “الحي الروسي” لخليل الرزّ… لحرب من زاوية أخرى في مشهدية على حدود الخرافة

شخوص الرواية

سطح حديقة الحيوانات في الحي هو مسرح الأحداث المركزي وعليه تؤدي الشخصيات، من بشر وحيوانات، أدواراً رسمها لها الكاتب على لسان الراوي، ونتعرف من خلالها على ماضي هذه الشخصيات وحاضرها الذي آلت إليه في الحي الروسي، الذي كان ناسه منذ ظهوره “أوصالاً حيّة قادمة من أوطان بالية وعقائد بالية وطوائف بالية وقبائل بالية، تجمعهم الرغبة الأرضية الخالصة بالحياة”. هذه الرغبة بالحياة جعلتهم يتفادون كل ما من شأنه أن يدفعهم إلى الانزلاق إلى أتون الحرب الدائرة، كونهم لا يريدون الموت من أجل أي معتقدات، وعلى سطح الحديقة-المسرح نراهم يسلّمون أمرهم، وينقادون لشخصيات رئيسة يتوقعون منها استشراف مستقبلهم ودراسة كل الاحتمالات للعمل على أساسها.

في روايته “الحي الروسي” يقارب خليل الرز الحرب السورية في العاصمة دمشق من خلال نص تفاعلي حافل بالرمزية يسجل حياة الناس العاديين وحيواناتهم في الحي المفترض

وقد أدى الراوي اللاإسم له والقادم حديثاً إلى الحي، مع صديقته نونّا المقيمة معه في غرفة مجاورة لسطح الحديقة، دوراً مركزياً وحولهما مجموعة بشرية من العاملين في الحديقة ومن القادمين من أصول وخلفيات مختلفة، عمد الكاتب إلى استعادة ماضيها لاستكمال بناء الشخصيات بطبائعها وميولها وأخلاقها وأحوالها، لتنصب كلها بأفعالها وتفاعلاتها، كروافد، في بؤرة الحدث الأساسي الجاري في نهاية الرواية، في حديقة الحيوانات، على سطحها وفي محيطها الممتد من الحي الروسي إلى الغوطة، إحدى ساحات الحرب، إلى العاصمة القديمة. 

دور الحيوانات في المشهد الروائي

بجانب هذه الشخصيات البشرية، هناك فريق حيواني برع الكاتب في إشراكه في الأحداث ليضفي على الرواية لوناً هو مزيج من الواقع والخيال، من الحقيقي والخرافي. وربما أراد الكاتب إشراك الحيوان بغية إيصال ما لا يمكن إيصاله في العملية الأدبية من رمزية ظاهرة في ثنايا الرواية وفي خاتمتها. وقد أولى الحيوانات الاهتمام نفسه في استعادة ماضيها وأصولها، وتجدر الملاحظة أن براعة الرزّ في إشراك حيواناته مردّها إلى كونه أعطاها أدواراً مميزة مختلفة إلى حد بعيد عما نجده في الأعمال الأدبية المعروفة من هذا النوع، فحيواناته ليست كالأشياء الطبيعية الهامشية التي نجدها عادة في محيط الحدث وأبطاله لاستكمال خلفية المشهد، ولا هي ناطقة ومعبرة تشارك شخصية البطل البشريّة بالكلام والحوار المباشرين، كعنصر مساعد أو معارض، كما في الأمير الصغير لسانت إكزوبيري مثلاً أو غيرها، ولا هي قائمة في عالمها الخاص بفرديتها المستقلة، كما في كليلة ودمنة مثلاً أو في مزرعة الحيوانات لجورج أورويل.

يختلف الرز عن رمزية جورج أورويل وسانت إكزوبيري في إشراكه الحيوانات في االسرد الروائي، فدون أن تتكلم أو تحاور يظهر تلاحم ودي بينها وبين الأبطال الذين تشترك معهم في مسار الحدث 

حيوانات خليل الرزّ طاغية الحضور في الرواية بالرغم من أنها لا تتكلّم ولا تحاور، تركها على تصرفاتها الطبيعية وترك للبشر تفسير وتأويل هذه التصرفات ومتابعتها والعمل بموجبها (ولذلك يُكثر الكاتب من أدوات التفسير: كأنّما، ربّما، لا بدّ…). بين حيوانات خليل الرزّ وأبطاله تعاون ودّي وتلاحم شديد في شراكة متوازية ومتساوية في مسار الأحداث، وعبر هذه الشراكة تشابكت أحداث الرواية حتى خاتمتها، في بنية روائية بارعة ومتماسكة ومشوّقة.

الحضور الدائم للزرافة

أفرد الكاتب للزرافة عدة فصول في أوّل الرواية وفصلاً في آخرها شكل خاتمة الرواية، ناهيك عن حضورها الدائم في الرواية، إذ حولها تمحورت الأحداث التي تدور في حديقة الحيوانات ومحيطها. تحاول نونّا، المنساقة وراء مخيلتها وتصوّراتها، أن تفسر وتستكشف ما يدور في خلد الزرافة التي يصل رأسها إلى مستوى السطح وهي تتأمّل على شاشة التلفزيون الصغير المتروك صامتاً مجريات الحرب الدائرة، كما تحاول إدراك أسباب خوفها الطبيعي، و”مَنْ يَخفْ يأمل”، ومن هنا ترقب ما تأمله الزرافة عساه يتلاقي مع آمال الناس. ولا يمكن فهم دور الزرافة وحضورها هذا من دون إدراك طبيعتها وشخصيتها، فالمعروف عنها أنها حيوان بليد وجبان، تعجز عن الدفاع عن نفسها بالرغم من كبر حجمها، ولا تجد خلاصها إلا في الهروب، ويسهل تدجينها إذا ما رُبِّيت على ذلك من صغرها. ومن هنا إفراد الكاتب فصلاً للزرافة وأمه، يماهي فيه بين الاثنين في نزعة الخوف والجبن والخضوع والانقياد، وربما ورث الراوي نفسه هذه الصفات عن أمه، ما يفسِّر موقفه المتردد والمنهار والمستسلم أمام الواقع في نهاية الرواية.

إلى جانب الزرافة، هناك الكلب العجوز موستاش والكلبة رئيسة بتروفنا اللذان يؤديان دورين متكاملين كرفيقين أساسيين متفاعلين مع أحاسيس البشر وتصرفاتهم. موستاش يؤدي دوراً مساعداً لنونّا، إذ يفهم “بدرايته الكلبية” ما تفكر فيه الزرافة وما تراه، وينقل ذلك إلى المجموعة بواسطة صاحبه أبي علي سليمان، وقد أحضره في اليوم التالي ليدلّ على العصفور الصغير الظاهر في السماء الزرقاء على شغل الصوف الذي تحيكه نونا، وقد رأوا فيه رمزاً لأمل ما أو لحاجة يتمنونها، وربطوا ذلك بما كان أهل الحي الروسي يمنّون به النفس من قدرة عصام، الشاب الرياضيّ الأبي والمنتفض على السلطة وعسفها المتمثّلة ببوريا المافيوزي، المتعامل مع النظام والمتحكم بهم، وقد تصدى له عصام من قبل ووضعه عند حده، من قدرته إذن على قيادتهم إلى خلاص ما من الانزلاق إلى أتون حرب يتردّد صداها في المحيط، وقد عزّز هذه المخاوف والآمال في آن معاً، ما رأته نونا في حلم لها عن عصام بدا فيه بشكل مختلف تماماً.

بذلك يكتمل هيكل الرواية القائم على ثلاث دعائم، نونّا المندفعة وراء مخيّلتها وأحلامها وحماسها، والزرافة الرائية من وراء جبنها وخوفها إلى ما يكمن وراء الأحداث المنقولة على الشاشة الصغيرة، وعصام وما يمثّله من آمال خلاصية لأهل الحي، وحول هذا الهيكل ونحوه تتوجه اهتمامات سائر الشخصيات، من بشر وحيوان، وينجذب وراءهم الحي بأكمله.

توظيف الدلالات الرمزية

الرواية حافلة بالدلالات الرمزية، إن كان بالحدَث المسرود أم بالوصف الدقيق، الداخلي والخارجي، الذي يسوقه الكاتب في تجسيد انفعالات وهواجس الشخصيات، أو في نقل المشهد المادي الحي من أماكن الحدث. والرمزية الأساسية في الرواية تتجلّى عبر هذا الصراع التنابذي الذي يعيشه أهل الحي المسالمون العاجزون عن المقاومة أساساً والرافضون لخوض حرب لا يرون أنفسهم معنيين بها. وأعني بالتنابذي أنه ليس صراعاً تجري فيه مواجهة مباشرة بين فريقين يرتضيان الخوض فيه، بل هو صراع مقاومة وابتعاد، فالأهالي يخشون الانزلاق إلى الحرب أو وصولها إليهم، ويجهدون لتجنّب هذه الكأس المرّة، وهم يسمعون صداها يتردّد في المحيط،.

وقد عرف الكاتب كيف يصوّر بأسلوبه البارع دنوّها شيئاً فشيئاً، ففي الأقسام الأولى من الرواية نرى أخبارها أو صداها يرِد عرَضاً في مجرى السرد، كأن أصوات القصف ودوي المدافع عند “جيراننا في الغوطة” هي إنذارات متلاحقة تقوى شيئاً فشيئاً، لتفضي إلى ما يحضرونه وتراقبه الزرافة من مشاهد منقولة على التلفزيون الصغير، الذي كتموا صوته لكيلا يسمعوا أخبارها المتكرّرة. وكلما تقدمّنا في قراءتها كلما أصبحت أكثر قرباً وضغطاً على مجريات الأحداث حتى تفرض نفسها عليهم في النهاية، فيجدون أنفسهم منزلقين سريعاً إلى شباكها من حيث لا يدرون، وهنا أيضاً استطاع الرزّ أن يعكس سرعة هذا الانزلاق في أسلوبه، ففيما نجد الفصول الأولى المُحضِّرة للحدث أو المشهد النهائي طويلة نسبيّاً، نلحظ أن الفصول الأخيرة قصيرة ومتسارعة الأحداث في اتجاه المآل النهائي.

مشهدية الحرب

مشهدية رائعة يصوّر بها خليل الرزّ هذا الانزلاق إلى الحرب والوقوع في شباكها من دون المشاركة فيها. المشهد الأوّل هو وصف جنازة عصام ونقل وقائعها. عصام رمز “أمل” أهالي الحي الذين كانوا ينتظرون منه مبادرة ما تنقذهم، يُعدَم في الغوطة وتُرسَل جثته إلى الحي، حيث كان من الخطر تشييعه علناً تفادياً لإثارة حفيظة النظام وأهله.

ليس “الأمل” مسموحاً إذن عند طرفي النزاع، وهو يُقتل مرّتين، عند المنظمات الجهادية في الغوطة وعند أهل النظام، لكن الجنازة تنطلق تحت جنح الظلام بشكل عفوي وتلقائي في مسيرة جنائزية نظمها بحماس عبد الجليل حجازي، الساعاتي والممثل المتعطّل، في إخراج استعراضي احتفالي وسط لابسي أجنحة الملائكة وحملة المشاعل وقارعي الطبول، وتضخمت شيئاً فشيئاً مع مشاركة كل أهالي الحي الروسي الذين خرجوا وراءها من الشوارع والأزقة، “بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم ومعوَّقيهم وحيواناتهم وطيورهم وحقائبهم وصناديقهم وسلالهم وبيدوناتهم وأقفاصهم وأكياسهم”، وذلك تحت ضغط الوقت لدفن “الأمل” المصروع قبل الفجر و”مواجهة مصير جماعي غاشم وموشِك الحدوث على الأغلب”.

لكن سرعان ما تقع الجنازة الاحتفالية تحت ضغط ومراقبة طائرات السلطة التي واكبتها عند علو منخفض وصولاً إلى المدافن، حيث شتّت عصف الهواء من مراوحها شمل المشيّعين وسط الغبار والضجيج والفوضى، وليتمّ الدفن على عجل في مشهد أبوكاليبتي رائع برع الكاتب في وصف تفاصيله، حتى تشييع “الأمل” بدا ممنوعاً على الناس العاديين المسالمين.

مشهد آخر له رمزيته: تتشتّت حيوانات الحديقة بعد انفجار سيارة مفخخة على طرفها، ويجد المشيِّعون العائدون لتوّهم من الجنازة الزرافة وسط الشارع، وكعادتهم يترقّبون بالقلق نفسه ما سيبدر منها، وإذا هي تقودهم في مسيرة عفوية وطويلة عبر الشوارع والأحياء، في مشهد خيالي سوريالي، وصولاً إلى ساحة الأمويين، مجمع مراكز السلطة، حيث توقفت ووقفوا وراءها أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، حيث تلقى مصرعها برشق من رشّاش دبابة، ويحضر رجال الإذاعة والتلفزيون برافعتهم لينقلوا جثتها الضخمة وتنظيف المكان من دمائها، “كما لو أنهم أمضوا سنين طويلة في حزم وتعليق الزرافات المقتولة”، ليعودوا إلى موقعهم “في قلب الإذاعة والتلفزيون، ثم أُغلقت بوّابة المبنى الحديدية “السوداء”، ويترك الروائي للقارئ مهمّة التكهّن مع أبطال الرواية بأسباب تصرّف الزرافة.

“الحي الروسي” لخليل الرزّ استحقت الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، والأرجح أنها كانت منافسة قوية على الفوز بالجائزة… 

واضح أنها انتقلت من متابعة الأحداث ومراقبتها على شاشة التلفزيون الصغير إلى مصدر الخبر والبثّ في مبنى الإذاعة والتلفزيون، فهل قصدت بهم المكان، بجبنها وخوفها، للاستسلام وإعلان تدجّنها في المكان الآخر؟ أم للاعتراض على ما يُبَث من مشاهد الحرب والتدليل على أساس المشكلة؟ هل للقول بأن حتى “الرؤيا” والتطلّع إلى المستقبل ورسم طريق الخلاص ممنوع أيضاً على الناس العاديين المسالمين، وأن كل ذلك محظور عليهم ومحجور وراء بوّابة مبنى الإذاعة والتلفزيون “الحديدية السوداء”؟

تغتني الرواية بهذه المشهدية المحفزة والمعبرة، منها مثلاً مشهد الكلبة رئيسة بتروفنا وهي تجول في المركز الثقافي الروسي، وصولاً إلى قاعة المسرح، حيث تقف على مقدمة الخشبة وتصدح بنباحها أمام الكراسي الفارغة، كأنها تلقي خطاباً توقظ به المشاعر وتستنهض الهمم، ومشهد لحاق أبطال الرواية بعصام وهو يغادر الحي الروسي حاملاً قطّته غزال، في طرقات وشوارع طويلة ليلة انتقاله إلى الغوطة. الطريق الطويل والانعطافات وتسارع الخطى ولهاث الشخصيّات وراءه وغيابه بعيداً عنهم، تعبير واضح عن مدى التباعد الذي بات قائماً بين أهل الحي و”جيرانهم في الغوطة”. يرى الرزّ كل ذلك وينقله بعين سينمائية أحياناً، وفوتوغرافية أحياناُ أخرى، كما في وصفه مشاهد الدمار التي باتت ماثلة ثابتة في الأحياء المدمَّرة.

وقد عرف الكاتب كيف يحقّق التكامل بين شخصياته البشرية والأخرى الحيوانية، فنلمس هذه المزاوجة، أو التناوب على طريقة “سباق البدل” بينها، كما في هذه المماهاة التي يقيمها بين الزرافة وأمّه مثلاً، أو بين الراوي والكلب موستاش: “يهجس بخواطري ومشاعري وأفكاري وينبحها عنّي للناس بأعلى صوته…”. كما تعمّد الكاتب التكرار للتأكيد على الأفكار والحالات، “لا بدّ من الخوف”، تكرّر نونا، و”رائحة الشواء” تطالعنا دوماً في الكلام على الحرب، شواء لحوم البشر طبعاً.   

لم يحك خليل الرزّ الحرب بتفاصيلها ولم يسع إلى تسجيل وقائعها، بل هو تسلّل إلى أعماق الناس الواقعين فريسة لها، واصفاً مخاوفهم وانسحاقهم فيها بأسلوب فنّي متماسك وبارع ومتقن، ولغة نقيّة صافية، ناقلاً الانفعالات والتفاعلات عبر حبكة مشوِّقة، مزج فيها بين الواقع والخيال، بين الحقيقي والغرائبي، في مشاهد وحوارات وسلوكيات من طبيعة البشر، مستعيناً بالطبيعة الحيوانية ليولّد نصاً روائياً على حدود الأدب الخرافي، نصّاً ممتعاً ببنيته المتينة وحبكته المشوِّقة.

“الحي الروسي” لخليل الرزّ استحقت الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة ابوكر العربية، والأرجح أنها كانت منافسة قوية على الفوز بالجائزة، ولكانت استحقتها.