أحمد عبد الحليم | Monday 20 July 2020

مصر. مكافحة كورونا أم “أهل الشرّ”؟

بينما تغرق مصر في أزمة فيروس كورونا، يرفض نظام السيسي بروز أي صوت ينتقد طريقة تعاطيه مع الجائحة، ويستعمل في ذلك نفس وسائل الردع التي تعودها مع أعدائه السياسيين: دعاية ذات بعد وطني، وقوانين استثنائية لمحاربة “أهل الشر”.

لو نزلت إلى شوارع المحروسة بعد الثامنة ليلًا، فإنك ترى ليلًا سرمديًا وسط مساحات خالية إلا من دوريات للشرطة المصرية، تتواجد لمتابعة التزام المصريين بالإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة للحد من انتشار فيروس كورونا كغلقِ المتاجر الكبيرة والمقاهي وقاعات الأفراح بشكل كُلي، وفتح المتاجر الأصغر التي يتسوّق منها الناس بشكلٍ جزئي. وبحلول مساء يوم 30 يونيو/حزيران، قارب عدد الإصابات بفيروس كورونا في مصر 66754 حالة، توفي منهم 2872. ولازالت البلاد تسجل يوميًا مئات الإصابات الجديدة.

وإن كان العالم أجمع قد تورط في استثناء الكورونا، فإن مصر تختلف عن الجميع، لأنها تعيش هذه الحالة منذ ما يقرب من سبع سنوات حسب التصريحات الرئاسية والمؤسساتية، في حربها مع “أهل الشرّ” الذين لا ينوون خيرا للبلاد ويعارضون عجلة التنمية، بما أن حالة الاستثناء تفرض وجود عدو داخلي لتبريره. ويبدو أن النظام صنف فيروس كورونا مع هؤلاء، وكأنه جاء معارضًا لعجلة التنمية في ثوبٍ بيولوجي.

خطاب إعلامي مألوف

في بداية ظهور الجائحة في مصر، ركز الخطاب الإعلامي المصري على تسليط ألسنته على كل من يوجّه سؤالًا أو ينتقد قرارًا بشأن إجراءات الوقاية التي تتخذها الحكومة بشأن مكافحة الفيروس، بل دارت اسطوانة “أهلّ الشر” مرةَ أُخرى، والذين يقصد بهم هنا أولئك الذين يستغلّون وباء (كوفيد -19) ليشككوا في كفاءة النظام في مواجهته للأزمات. كعادته انتقد الإعلامي نشأت الديهي صاحب برنامج “أهل الشر” -الذي تظهر شارة بدايته عددا من الوجوه البارزة لجماعة الإخوان المسلمين- ومؤلف كتاب “أهل الشر” أيضًا، حديث القنوات الإعلامية التابعة للمعارضة المصرية للإخوان المسلمين في تركيا والتي شككتفي مصداقية الأرقام والقرارات التي تعلنها وزارة الصحة للحد من انتشار الفيروس. ووافق ما قاله الديهي تصريح رئيس الهيئة الوطنية للصحافة الأستاذ كرم جابر واصفًا “أهل الشر” بالراقصين على أزمة مصر في مواجهة كورونا، وضمت سهير عثمان الأستاذة المساعدة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة صوتها إليهما بقولها إن “الشائعات السيئة التي يتبناها أهل الشرَّ” تحاول النّيل من كفاءة الحكومة المصرية في إدارة الأزمة.

نتج عدد كثير من هذه التصريحات والأحاديث الإعلامية انطلاقا من يوم 7 أبريل – نيسان 2020 بسبب تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء اجتماعه بوزيرة الصحة وعدد من قيادات الحكومة والجيش، والذي حث فيه للمصريين على عدم الانجرار وراء الشائعات بشأن أرقام الإصابات بالفيروس بقوله: “هنخبي لي؟ إذا أردنا مصر خالية من الأشرار علينا الابتعاد عن الشائعات التي يصدرها لنا أهل الشر”.

مصطلح “أهل الشر” ليس بجديد ولم يظهر مع جائحة كورونا في مصر، فقد تعود عليه المصريون في خطابات الرئيس السيسي على مدى السنوات الأخيرة. وإن كان المقصود بهذه العبارة في ذهن الجميع أوّل الأمر الجماعات الإرهابية، فقد عرّفهم السيسي بطريقة أوسع خلال لقاء صحافي له سنة 2016 عندما قال إن “أهل الشّر هو كل من يسعى إلى الإساءة لمصر شعبا ودولة، [إلى] محاولة عرقلة مسيرة مصر كدولة وكشعب […]. المصريين عارفينهم كويس، جوه وبرا”. وقد قالفي مناسبات أخرى إنهم “الإخوان وداعميهم”.

وإن كان العالم أجمع قد تورط في استثناء الكورونا، فإن مصر تختلف عن الجميع، لأنها تعيش هذه الحالة منذ ما يقرب من سبع سنوات حسب التصريحات الرئاسية والمؤسساتية، في حربها مع “أهل الشرّ” الذين لا ينوون خيرا للبلاد ويعارضون عجلة التنمية، بما أن حالة الاستثناء تفرض وجود عدو داخلي لتبريره.

التوسيع في الاستثناء

بعد اجتماع السيسي بوزيرة الصحة، شرع برلمانيون ومسؤولون في الوزرات المصرية تكرار تحذيرهم على عدة صحف وقنوات ووسائل التواصل الاجتماعية من التشكيك في الأرقام الصادرة من وزارة الصحة، وفي عدم قدرة الدولة المصرية على مجابهة كورونا (كوفيد 19). وقد روّجت الحكومة المصرية لخطاب حالة الاستثناء1 من خلال عقوباتٍ قانونية خاصة بهذا الظرف الذي تعيشه البلاد والموجهة ضد “مروّجي الشائعات حول كورونا”، حيث تكون العقوبة الحبس لمدة عامين وغرامة تصل إلى 300 ألف جنيه مصري (حوالي 18540 دولار). ومن وقتها بدأت متلازمة القبض على الناشطين والصحفيين والمواطنين بتهمة انضمامهم كذلك لأهل الشرّ. كان أشهر المقبوضين عليهم الصحافي المصري مصطفى صقر صاحب جريدة “البورصة” وموقع “ديلي نيوز ايجيبت” واتهامه نشر شائعات تضر بالأمن القومي المصري بشأن تطورات كورونا، فضلًا عن انضمامه لجماعة إرهابية محظورة، قبل ذلك بنحو شهرٍ قد أغلقت الحكومة المصرية مكتب صحيفة الجارديان البريطانية بالقاهرة، وذلك عقب نشرها مقال يوم 17 مارس-آذار تحدث فيه عن توقع 19 ألف إصابة موجودة في مصر وسط غفلة الحكومة المصرية عن الإجراءات اللازمة لمحاصرة الوباء. لم تستثن الحكومة المصرية من يعبرون عن آرائهم أو المواقف الشخصية التي مرّوا بها على مواقع التواصل الاجتماعي، فما زال يتم القبض على الشباب الذين يُبدون رأيهم على فيس بوك وتويتر كاعتقال الباحث في العلاقات الدولية عبد فايد من بيته صباح يوم 26 مايو/أيار الماضي، وإخفائه قسريًا لمدة ستة أيام ليظهر في نيابة أمن الدولة العليا وتوجّه إليهم نفس الاتهامات من نشر شائعاتٍ تضر الأمن القومي.

وقد شملت هذه الاعتقالات حتى “الجيش الأبيض”. ففي بداية ظهور الجائحة، وجد الأطباء في مواقع التواصل الاجتماعي متنفسًا عبر المنشورات ومقاطع الفيديو يعبرون فيها عن مدى ضيقهم من نقص المعدات والأدوات اللازمة لهم وللمرضى للوقاية من الفيروس، إلى أن تم استدعاء البعض منهم من جهات التحقيق الخاصة بالوزارة بحجة مخالفة قوانين المهن الطبية، والتحذير من المشاركة في بثّ وترويج الشائعات، وقد تم القبض على عدد من المسؤولين الطبيين وطالبت نقابة الأطباء في بيان لها بالإفراج عنهم. يحدّثنا طبيب مختص يعمل في إحدى المستشفيات الحكومية فضّل عدم الكشف عن هويته عن التعليمات التي أتت إلى معظم المستشفيات، وهي تعليماتٌ أمنيّة لجميع العاملين بعدم التصوير والحديث عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن نقص في المعدات والأدوات، وإلا يتعرض من يفعل ذلك إلى إجراءات قانونية صارمة، بل ويُطبق عليه قانون الطوارئ الجاري حاليًا في عقوبة نشر الشائعات التي تضر الأمن القومي المصري.

كورونا عدو الوطن

لا مانع لدى الكثيرين أن كورونا قدر الله، وتجد المسلمين كما المسيحيين يتضرعون إلى الله لرفع هذا الوباء. وقد خرجت مسيرات ليلًا في محافظة الإسكندرية عندما تحمّس المواطنون في شرفاتهم، وتجمعوا تحت بيوتهم، هاتفين لله أن ينقذهم من هذا الوباء. لكن بالموازاة مع هذا الإيمان بقدرة الله على رفع هذه المصيبة، كانت هناك كذلك تجمعات بالليل وبالنهار في نفس المحافظة على وقع الأغاني الوطنيّة، وكأن كورونا عدو خارجي قصد مصر بالتحديد وتآمر عليها ولم يقصد البشرية كُلها.

تُذكرنا تلك التجمعات بأيام الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار عام 2014 ومارس/آذار عام 2018، فضلًا عن استفتاء تعديل الدستور في أبريل/نيسان من عام 2019 عندما تجمع أنصار عبد الفتاح السيسي للغناء والرقص، وترديد شعارات الكيد والغيظ لأهل الشرّ المتربصين لمنقذ مصر وشعبها، وكأن ما يحدث مناسبة للتعبير عن الحس قوميٌ وليست انتخابات بين مختلف الخصوم السياسيين كما يحدث في شتّى بلدان العالم. نتج هذا من كثرة تأثير الخطاب السياسي السلطوي والإعلامي وحتى الأكاديمي على المواطن المصري -على غرار وزير الآثار المصري السابق زاهي حواس الذي أشاد بردة فعل السلطة على هذه الجائحة قائلا “احنا فعلا بنحس ان الدولة والحكومة واقفة مع كل مصري وكلهم خايفين علينا، وبالتالي يمكن الأزمة دي بينت ازاي احنا واقفين مع بعض ايد واحدة”. كما تبدو ردود فعل هؤلاء المواطنين نتيجة لسياق حالة الاستثناء الذي وضعه النظام المصري منذ سبع سنوات -أي منذ وصول السيسي إلى الحكم- تحت عنوان محاربة أهل الشرّ القاصدين بمصر الخراب، خاصة بتزامن وصول الفيروس إلى مصر مع أحداث مقتل 8 عساكر وضابطين في سيناء أول شهر مايو/أيار الماضي إثر انفجار عبوة ناسفة في منطقة بئر العبد شمال سيناء. حتى أن دار الإفتاء حذّرت من استغلال الجماعات الإرهابية لأزمة كورونا، رابطة بذلك في أذهان الناس بين الخطر الأمني والمعضلة الصحية. كما ظهر الجيش في دور المُخلّص والضامن التاريخي لحالة الاستقرار على مرّ الأزمات التي تمرّ بها الدولة، فقد تحدث الرئيس خلال تفقده للاستعدادات الخاصة التي تُجريها القوات المسلحة لمجابهة الفيروس ومنها تجهيز ست مستشفيات تابعة لها بطاقة 200 سرير، كما تدخل الجيش لإمداد المؤسسات الصحية بالمستلزمات اللوجيستية لمواجهة الجائحة، بإجمالي وصل إلى 10 آلاف طن من الموارد المطهرة ومعدات التحليل التي يستخدمها الأطباء في كافة المحافظات المصرية.

يمكن وصف المواطن المصري هنا بـ“المواطن التابع” على حد تعبير الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، وهو من لا ينتمي إلى النخبة السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية، بل يغلب عليه التأثير التكراري للخطاب السلطوي العاطف، لذلك رأى الكثير من “اللامنتمينَ” أن كورونا يدخل وسط المؤامرة العالمية التي تعطل عجلة التنمية المصرية متغاضين وصف كورونا بجائحة بيولوجية أصابت العالم كلّه.

هكذا بدا فيروس كورونا في عباءة العدو الخارجي المحدق بمصر والمستند إلى أنصاره من الداخل من “أهل الشر”. أما المصريون الوطنيون، فينتظرون لحظة الانتصار على عدو عجلة التنمية والمشاريع الكُبرى حتى تُكمل الدولة تنميتها بأمن وأمان دون معارضة.