غادة كامل الشيخ | Sunday 28 June 2020

مثليون/ات أردنيون/ات: “أردنا أن نُعلم مجتمعنا أن هناك من يشبه سارة حجازي بينهم”

“لا، كلامك غير صحيح، لم نحرم من التعبير عن حزننا على انتحار سارة حجازي، رسمنا الجرافيتي وما يزال محفوظاً إلكترونياً حتى لو تمت إزالته عن الحائط”، هذا كان رد فارس (اسم مستعار) لي، قالها بلهجة ونظرة الانتصار، بإشارة منه على أن “القيود” التي مورست بحق مجتمع الميم في الأردن في التعبير عن حزنهم على انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي، كانت قيوداً لم تفلح بكبت مشاعر حزنهم.

تعرفت على فارس، 30 عاماً، خلال رصد ردود الأفعال على موقع تويتر في الأردن، قبل أيام، وبعد قيام أمانة عمان الكبرى بإزالة رسم جرافيتي رسم على جدار في إحدى شوارع العاصمة عمان، للناشطة الكويرية والحقوقية سارة حجازي، التي انتحرت قبل أكثر من أسبوع في شقتها في كندا، فمن خلال الرصد لردود الأفعال، تبين أن هناك حساباً يحمل اسم “ميم الأردن” على تويتر، وفارس أحد مؤسسي هذا الحساب الذي مضى على عمره ثمانية أعوام.

“كنت أعتقد أنها تشلح الحجاب أمامي لأنني شاب مؤدب جداً، لم أكن مكتشفاً وقتها أنني شاب مثلي”

في مقابلة شخصية معه، تحول الحديث عما حدث لجرافيتي الراحلة سارة حجازي، إلى من هو مجتمع الميم في الأردن، وما أبرز التحديات التي يواجهها، شدد فارس خلال المقابلة على أنه عندما يتم الحديث عن مجتمع الميم في الأردن يجب أن يتجرد الكلام عن المقارنة مع مجتمع الميم في العالم الغربي، وحتى بعض الدول العربية، وأضاف: “عندما نسلط الضوء على المثلية الجنسية والعبور الجندري في الأردن، يجب أن نسلط عليها الضوء من وحي منظومة مجتمعية محلية وليست مقارنة بين الشرق والغرب، وأن تكون حواراتنا نابعة من مجتمعنا، ذات المجتمع الذي يرفض زواج رجل مسيحي من فتاة مسلمة، ويرفض زواج رجل بامرأة أكبر منه، ونفس المجتمع الذي ما يزال يتقبل زواج القاصرات”.

“أنا لا أشبه ذلك الشاب الذي يعيش في نيويورك”

قبل أن نبحر في الحديث عن مجتمع الميم الأردني، انتقلنا بداية للحديث عن تجربة فارس الشخصية، باعتباره شاباً مثلياً يعيش في الأردن، والذي قرر أن يتحدث باسم مستعار لأنه يحكي عن مجتمع الميم الأردني، وكذلك لحرصه ألا يتضرر آخرون، مشيراً إلى أنه لو كان التقرير يتحدث عن تجربته الشخصية فقط، فهو لا يتردد بالكشف عن اسمه الحقيقي، ذلك لأن ليس هناك ما يخجل منه ولا يخاف منه، خصوصاً أنه لقي الدعم والقبول من أهله قبل أن يكتشف هويته الجنسية، وبشكل خاص من والدته.

وبحسب فارس، والدته هي التي التقطت أن ابنها “مختلفاً” عن باقي الأولاد في عمره عندما كان في المدرسة، فضلاً عن تجربتها الطويلة في التمييز بين المختلف وغير المختلف، خصوصاً وأن فارس ابنها رقم خمسة من أبنائها وبناتها، فلم يكن صعباً عليها أن تلاحظ أنه “غير”، ويقول: “عندما أيقنت أنني مختلف عن باقي محيطي في المدرسة وفي الحارة، كان عمري 17، ولما أخبرت أهلي بما أشعر قالوا لي تأخرت لفهمت حالك”.

ويضيف: “صحيح لم أكن أعرف هويتي الجنسية، لكنني كنت أعبر عنها مع زملائي الذين كانوا يشبهونني في الاختلاف، كنا نرتدي لباساً مختلف ونصبغ شعرنا، ورغم كل ذلك لم نكن نعلم من نحن، حتى صديقة أختي المحجبة كنت أعتقد أنها تشلح الحجاب أمامي لأنني شاب مؤدب جداً، لم أكن مكتشفاً وقتها أنني شاب مثلي”.

“لم أجد سوى المحتوى الأجنبي سبيلاً لأكتشف من هو أنا، كان ذلك يسبب لي في بعض المواطن شعوراً سيئاً، فأنا لا أشبه ذلك الشاب الذي من عمري الذي يعيش في نيويورك، أنا ابن قرية بسيطة تكاد تكون مهمشة في إحدى محافظات الأردن، أنا ابن رجل لديه بقالة وليس شركة في وول ستريت”.

لاحظت خلال المقابلة على حرص فارس على إضافة الصبغة العربية في الحديث، حتى أنه كان يعتذر عندما كان يعجز عن التعبير عن مصطلح ما بالعربي ويستبدله بالإنجليزي، حتى إصراره على رفض فكرة المقارنة بين مجتمع الميم العربي ومجتمع الميم الغربي، كان يُظهر تمسكه بروح الثقافة العربية حتى في سلبياتها، ومن هنا تطرق لرحلة البحث عن تعريف لهويته الجنسية، وقال: “عندما كنت أبحث عن نفسي عبر الإنترنت، كان ذلك قبل وجود اللغة العربية في غوغل، ولا أبالغ إذا قلت لك إنني تعلمت الإنجليزية بسبب بحثي عن نفسي على شبكة الإنترنت، التي لم تكن فقط تخلو من اللغة العربية بل أيضاً كانت تخلو من مصادر وأبحاث ومقالات عربية أعرف من خلالها من أنا، وعندما لم أجد سوى المحتوى الأجنبي سبيلاً لأكتشف من هو أنا، كان ذلك يسبب لي في بعض المواطن شعوراً سيئاً، فأنا لا أشبه ذلك الشاب الذي من عمري الذي يعيش في نيويورك، أنا ابن قرية بسيطة تكاد تكون مهمشة في إحدى محافظات الأردن، أنا ابن رجل لديه بقالة وليس شركة في وول ستريت”.

ومع الوقت وعقب اتساع فضاء الإنترنت وبكل اللغات، بدأ أفراد مجتمع الميم في الأردن يتعرفون على بعضهم البعض بحسب حديث فارس، ويقول: “مع الوقت أصبح هناك ترابط بيننا، وكنا نجتمع في جلسات كثيرة كان عنوانها الأبرز: من نحن؟ وكيف ممكن أن نعرف عن أنفسنا بالعربي؟ وبعدها خرجت مصطلحات المثليين والمتحولين والعابرين والعابرات وغيرها”.

“الشوارع لست آمنة لنا”

وعند الانتقال إلى محور التحديات التي تواجه مجتمع ميم الأردن، بدأت الحديث بأن الأردن ومهما توالت عليه التطورات الحياتية فهو مجتمع محافظ، قاطعني فارس وقال: “أكيد بل مجتمع محافظ جداً أيضاً، لكنه ليس محافظ على المثليين/ات فقط، حتى المرأة التي تطالب بمساواتها مع الرجل تتعرض لتحديات ربما أصعب من التي يتعرض لها مجتمع الميم في الأردن”.

“الشوارع والأماكن العامة ليست آمنة لنا”، يقول فارس، مستعرضاً بتسلسل للمشاكل التي يتعرض لها مجتمع الميم في الأردن، بحسب قوله:” عندما تبحثين عنا تجديننا في ثلاثة أماكن فقط في عمّان، خوفاً علينا وعلى حياتنا أيضاً من التواجد في أماكن عامة أخرى، نحن مجبرون/ات على ارتياد مقاه سعر فنجان القهوة فيها خمسة دنانير، مع العلم أنك تجدينا زبائن ولكن لا تجدينا موظفين فيها”، ومن هنا تطرق للحديث عن الصعوبات للحصول على فرص العمل كمجتمع ميم.

“أنا أكيدة أن مطلب تقبلنا من قبل المجتمع الأردني هو أمر مستحيل، وهو مطلب لم يتحقق في دول متقدمة أيضاً، لكن ما نسعى إليه هو تأمين الحماية لنا”

ويتابع: “نحن محرومون من الحق في الحصول على العمل، وإذا ما توفرت فرصة لنا تجديننا نعمل في المستودع بعيداً عن أنظار الموظفين والعالم الخارجي، نعمل 12 ساعة يومياً بنصف الراتب، ونحرم من عقود عمل، وأعدك أن أوثق لك ذلك في تقرير لاحق، ما يعني أننا انتقلنا من مرحلة جريمة التمييز بحقنا إلى مرحلة العبودية وخرق قانون العمل”.

تحد آخر يواجه ميم الأردن لأساسيات الحياة وفق استعراض فارس، وهو السكن ويقول: “أحب أن استشهد في الحديث عنا بأمثلة تمييز تتعرض لها نساء في الأردن، لأن هناك تقاطع معهن ومع مجتمع الميم، تخيلي الضغوطات والانتهاكات التي تتعرض لها فتاة عزباء في حال قررت السكن وحدها، ما بالك ما تتعرض له النساء العابرات جندرياً عندما يقررن ذلك، ونحن نعلم النظام الأبوي المتعشش في عقلية كثيرين من أصحاب الشقق الذين يمنحون أنفسهم سلطة التحكم بحياة المستأجرين عندهم”.

“فضلاً عن الاستغلال بحقنا”، بحسب قول فارس، في سياق الحديث عن تحدي السكن لمجتمع الميم، والذي يجعل كثيرين/ات منهم/ن يلجؤون لخيار السكن وحدهم بعد طردهم من عائلاتهم/ن، ويقول: “إذا حالفنا الحظ ووافق صاحب العمارة بالسكن عنده، يعطينا غرفة الحارس التي هي أصلاً لا تصلح للحارس ولا لأي إنسان، تكفي لوضع فرشة واحدة فيها ويكون الحمام خارج الغرفة وفي آخر الممر، ندفع مقابلها 100 دينار شهرياً وهي لا تسوى خمسين دينار حتى”.

أما عن الحق في الصحة، يقول فارس: “حدث ولا حرج، تأمين علاج، انسي، صحة نفسية انسي الموضوع، أعرف عابرين وعابرات يأخذون وصفات طبية من دول أجنبية ويصرفوها في الصيدليات، مع العلم كل جسد يختلف دواؤه عن الآخر، صديقتي بكندا أجرت فحصاً هناك، منحها الطبيب دواء أخذته واشترته من صيدلية في الأردن، ذلك لأن أغلب الأطباء يرفضون منحنا العلاج الذي يحتاجه العابرون/ات جنسياً”.

” واحد أزعر يقرر من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار”

“هل نستطيع الذهاب إلى المخفر وأشكالنا لا تطابق المعايير الرجولية والأنثوية المتعارف عليها؟”، يسأل فارس عند انتقاله للحديث عن تحدي الحماية لمجتمع الميم الأردن، ويضيف: “نساء لا يتقدمن بشكوى إذا تعرضن للعنف، لأن ذلك يعتبر نقطة مظلمة لسمعتهن، أنا لا أستبق الأحداث ولا أشكك بدور الأجهزة الأمنية، لكن أنا أتحدث من وحي عقليتنا الرافضة لكل شيء مختلف، وأتحدث عن تجارب أعرفها في مجتمع الميم خافوا أن يتقدموا بشكاوى بسبب تعرضهم/ن لعنف وتنمر وتهديد بالقتل، خوفاً من أن يتم السخرية عليهم/ن في ممرات المخافر”.

ويختم فارس حديثه في استعراضه لصور توثق تهديدات لمجتمع الميم بالقتل والعنف، والتي كان لها حضور بعد حادثة سارة حجازي وجدل ذلك الجرافيتي، وفتاوى فردية بأن سارة ومن يشبهها في الميول سيدخلون النار، ويقول: “تعلمنا أن الحق في الحياة حق إنساني، وتعلمنا أن من أسماء الله الحسنى الرحمن والرحيم، وحفظنا آية لا تقنطوا من رحمة الله، ليس من أجل أن يأتي واحد أزعر يقرر من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار”.

 “تعلمنا أن الحق في الحياة حق إنساني، وتعلمنا أن من أسماء الله الحسنى الرحمن والرحيم، وحفظنا آية لا تقنطوا من رحمة الله، ليس من أجل أن يأتي واحد أزعر يقرر من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار”

“سنتعرض للكره الذي تعرضت له”

لم يقتصر خوف مرام (اسم مستعار) من أن تصدق فتاوى بعض الناس بأن سارة حجازي سوف تذهب إلى النار، بل طال خوفها أيضاً من أن تسقط ضحية عنف بالضرب، أو يزج بها إلى السجن، لأنها واحدة من ثلاث فتيات أردنيات مثليات رسمن جرافيتي سارة حجازي الذي أزالته أمانة عمان، جاء ذلك وفق حديث لها لرصيف22، طلبت خلاله وقبله أكثر من مرة بألا يتم ذكر اسمها الحقيقي خوفاً على نفسها.

وتقول مرام: “جاءت فكرة رسم جرافيتي سارة حجازي كشكل من أشكال الحزن والغضب على ما مرت به، فسارة تشبهني وتشبه صديقاتي اللواتي رسمن معي الجرافيتي، لذلك قررنا أن نعزي أنفسنا بوفاتها من خلال ذلك الرسم، ولنعلم المجتمع الأردني أن هناك من يشبه سارة بينهم”.

“أتمنى أن يأتي يوم أتجرأ فيه وأقف أمام القاضي وأخبره أنني فصلت من عملي لأنني مثلية”

ورداً على مداخلتي بأن هناك من شعر بأن ذلك الجرافيتي فيه شيء من الاستفزاز، أجابت مرام: “صحيح، غلب هذا الشعور لدى الكثيرين، وبالمناسبة حتى أشخاص من مجتمع الميم في الأردن اعتبروا فعلنا استفزازياً ومن شأنه أن يسبب لهم/ن جميعاً مشاكل لا تحمد عقباها، لكن صدقاً لم تكن تلك نيتي ولا نية صديقاتي الذين شاركوني في الجرافيتي”.

وجاء في حديثها شيء من الاعتراف بحقيقة أنه إذا ما استمر مجتمع الميم في الأردن بالإعلان عن نفسه سيؤدي ذلك إلى مشاكل كثيرة، وقالت: “أعلم أننا إذا أعلنا عن أنفسنا وعن أفكارنا مثل سارة حجازي، سنتعرض للكره الذي تعرضت له، وسنصبح أشراراً في عيون المجتمع مثل المجتمع الذي جعل من سارة شريرة وهي لم تكن كذلك”.

وعن مطالبها كواحدة من مجتمع ميم الأردن، قالت مرام: “أنا أكيدة أن مطلب تقبلنا من قبل المجتمع الأردني هو أمر مستحيل، وهو مطلب لم يتحقق في دول متقدمة أيضاً، لكن ما نسعى إليه هو تأمين الحماية لنا، أن يأتي يوم أتجرأ فيه وأقف أمام القاضي وأخبره أنني فصلت من عملي لأنني مثلية”.

أثناء الحديث عن واقع ومعاناة مجتمع الميم الأردني، لا زال الجدل حول ما إذا كانت سارة حجازي سوف “تدخل النار أم الجنة”، وجدل جواز الترحم عليها أم لا حاضر على التايم لاين الأردني على تويتر، وكل هذا يزيد من قلق الكثيرين/ات في مجتمع الميم، القلق المصحوب بأمل أن يسع المستقبل للجميع.