ميرا إدريس | Monday 15 June 2020

ماذا علّمنا التعليمُ الإلكتروني؟ تجربة مُدرِّسة في الجامعة

منذ شهريْن، وأنا أجلسُ أمام حاسوبي المحمول، بينما تتدلى أسلاك سمّاعات الأذن بيني وبين الحاسوب على السرير. أستيقظ في شيء من الكسل قبل بدء “الدوام” بربع ساعة، لألتحق بالغرفة الصغيرة في فضاء “زوم Zoom”، وأبدأ اللّقاء بمحاولات إيقاظ الطلبة الذين لم ينضموا بعد، متسائلة- في كلّ مرّة- كيف أصبحت هذه الفوضى الفكاهيَّة جزءاً من روتين حياتنا اليوميَّة.

تكشفُ هذه الفوضى المشاكل العمليَّة للتعليم الجامعيّ عن بُعد، وتُظهِرُ- في الوقتِ ذاته- حلولاً بديلة، يلجأ إليها الطلبة والمدرّسون للاستفادة من المساحات الافتراضيَّة، كفضاءات خلّاقة للتعلّم. أقدّم في هذا المقال قراءةً لِما تواجهه الجامعات الفلسطينيَّة في ظلّ أزمةِ “كورونا”، وللتجربة التعليميَّة البديلة التي تسلكها حالياً، من موقعي كعضو في الطاقم التدريسيّ بجامعةِ بيرزيت.

التجربة عن بُعد

تدرك الجامعاتُ صعوبةَ تعميم القرارات على كلّ تخصّصاتها المختلفة، فقد يكون من الممكن تدريس مساق نظريّ، كمساق المجتمع الفلسطينيّ، بالاعتماد على النقاش عن بعد، لكن كيف يمكننا، عبر أيّ من موقعٍ للتواصل، أنْ نستمرّ في تدريس مختبر للفيزياء أو الكيمياء يعتمد على التجربة والتركيب؟

في محاولة لتقديم الحلول والتسهيلات، تركت الجامعة الحريَّة للدوائر المختلفة في اتخاذ القرار، فيما سيتمّ استيفاء المساقات ضمن الفصل الحاليّ أو تأجيله. رغم ذلك، تعجزُ تلك المرونة عن التخفيف من العبء الدراسيّ، أو من الضبابيّة التي تسود بعض المساقات العمليّة، لا سيَّما التي تعتمد على الرسم اليدويّ أو إجراء التجارب المخبرية. إضافةً إلى ما يرافقها من ضغط ناتج عن الجوانب التقنية المربكة للعمليّة، خاصة تلك المتعلّقة بخدمة الإنترنت.

يعاني النظامُ الإلكترونيّ، الذي يجمع الطلبة والمدرّسين في فضاء رقميّ واحد، من عدم الجهوزيّة، المسألة التي تمثّل في الحقيقة امتداداً لمشاكل عانى منها النظام، حتى قبل “كورونا”. لا تزال البوابة الإلكترونيّة الجامعيّة محاطة بهالة من الـ”old fashioned-ness” بطرازها القديم، فهي صفحة تقليديّة تعجّ بالنصوص، وتخلو من المواد البصريَّة، بدلاً من أنْ تكونَ بيئة تفاعليّة سهلة الاستخدام. كما أنَّ البوابة غير متاحة لكلّ أفراد الطاقم التعليميّ، كمساعدي البحث والتدريس، لذا لا يستطيعون الوصول إلى المساحة الإلكترونيّة المخصصة للمساق. تلكَ واحدة من المسائل التي تجلّى أثرها، منذ بداية الأزمة، في الاضطرار للّجوء لمواقع التواصل الاجتماعيّ كوسيط يجمع كلّ الأطراف؛ والنتيجة؟ حالة من الفوضى.

محادثة على تطبيق “واتساب”، وأخرى على “فيسبوك”، وثلاث مجموعات لمساقٍ واحد، وإشعاراتٌ في كلّ مكان، حوّلت هذه المواقع لأماكن عملٍ غير مريحة، مرتبطة بحياتنا وصورنا الشخصيَّة، وتفاصيل لا نفضل مشاركتها عادة في بيئة العمل. 

لا يعني وجود هذه المعوِّقات أنَّ العمليَّة قد توقّفت، فالتدريس يسيرُ حسب الجداول الأصليّة لأيّام الدوام. لكنّ التقنيات الجديدة جعلت قياس جودةِ التعليم وتقييم تحقيقه لأهدافه أمراً أكثر صعوبة.

في التعليم الإلكترونيّ.. كلّهم ناجحون!

بينما تعيشُ الجامعات الفلسطينية حالةً من الارتباك في ظلّ أزمة “كورونا”، يجد الطلبة والمدّرسون أنفسهم أمام حاجة ماسّة لاختلاق الحلول، التي لا يستطيع النظام تقديمها. يعني ذلك وقتاً مضاعفاً تبذله كلّ هذه الأطراف في العملية التعليميّة لإنجاحها، وقراراتٍ جديدة استجابةً لحالة الطوارئ.

ضمن تلك القرارات، حوّلت جامعةُ بيرزيت عمليَّة التقييم الرقميَّة لطلبةِ البكالوريوس إلى تصنيف “ناجح” أو “غير مكتمل”، وسمحت بمرونةٍ أعلى في استكمال المساقات غير المستوفاة، ما يتماشى مع مطالبَ قدّمها الطلبةُ للجامعة، عبرَ ممثّليهم. 

بتعديل عمليَّة التقييم، تتحدى “بيرزيت” السلَّم التراتبيّ المعتاد للتفوق والرسوب، فيمكن للطالب أنْ ينجحَ في المساق بتحصيله 60% على الأقل من علامات المساق، دون فارق في نهاية المطاف بين طالب حصّل 60% وآخر حصّل 90%، فكلاهما، بحسب هذه المعادلة، “ناجح”. ولّدت هذه الصيغة أسئلة مشروعة في الفضاء الإلكترونيّ، مثل: هل سيبذل الطالب الجهدَ المطلوب دون حصوله على درجاتٍ تنافسيَّة؟ وهل كان من الحكمة طرح هذه الصيغة في مرحلةٍ مبكّرة من الأزمة؟ 

نبّهتنا تلك الأسئلة إلى دورٍ يلعبه التقييم عادةً، في ضبط العلاقة بين الطالب والمدرّس، وتعريف الطرف صاحب السلطة فيها. لذلك، ليس غريباً اليوم أن نجد مدرّساً يشتكي من إهمال طالبٍ لمساقه الإلكترونيّ، وطالباً يشتكي من كمية الدروس والتمارين التي يفرضها بعض المدرسون، لمحاولة “ضبط” المساقات عن بعد. كلتا الحالتيْن نتيجة تلقائيّة لنظامٍ لم يكن جاهزاً لـ”تنزيل التحديث الجديد”، وتدعو الحالتان إلى قياس الأساليب المتّبعة في التدريس، وقياس قدرتها على خلق الثقة الضروريّة ضمن العملية التعليمية، خاصة دون تواصل وجاهيّ بين المدرّسين والطلبة. 

عن التجربة البديلة 

يدرك العديدُ من المدرّسين أنّ هناك حاجة للتفكير في أسلوب التعليم، وحاجة لإعادة النظر في الأهداف المرجوّة من كلّ مساق جامعيّ الآن، وخاصّة المساقات العمليّة. غالباً، لم يعد من الممكن الاستمرار حسب الخطّة المقرّرة، وإنّما أصبح على عاتق المدرّس بناء تصوّر جديد للمساقات، يوظّف التكنولوجيا بما يصبّ في الرؤية العامة للمادة الأصليّة، ويضمن اكتساب مهارات بديلة.

على سبيل المثال، ركّز مدرّسو مساقات البحث الميدانيّ على مهاراتِ الكتابة، والبحث المبني على الأدبيّات، وخصّص مدرّسو المساقات الهندسيّة جزءاً من المساقات، المعتمدة في الأصل على الرسم اليدويّ، لتعلّم مهارات الرّسم الرقميّ البديلة. في حين يوجّه بعض مدرسي مختبرات الفيزياء طَلبَتهم نحو استكشاف برامج المحاكاة الرقميّة (simulation) للدوائر الكهربائية كبديل عن بنائها في المختبرات.

ورغم أنّ هذه الحلول لا تستوفي كامل الأهداف المرصودة- في العادة- من المساقات العمليّة، كالقدرة على النقاش والتفاعل مع بيئة المختبر واستكشاف المهارات اليدوية، لكنّها بالتأكيد تقدّم تجربة بديلةً ومشتركة بين الطالب والمعلّم.

سمحت هذه التجارب البديلة بالاستجابة للظروف المفاجئة، وعرّفتنا إلى فضاءات إلكترونيَّة تسمح بتشارك المعلومات والمصادر الأدبية، وتخلق معجماً خاصّاً بهذه المرحلة، فالمدرّس في اللّقاء الإلكترونيّ هو “المضيف”، والطالب الذي يعرض إنجازه في البحث عبرَ الشاشة المشتركة يتقمص دور “رئيس الجلسة”، والنشاط الجديد غير المفضّل هو “مشاركة الشاشة Screen Sharing”،  كبديل عن طباعة الأوراق وتسليمها، في واحدة من التغييرات الاقتصاديَّة التي أنتجتها الجائحة، وأعادت تعريف عمليّات مألوفة في التعليم، كالتسليم والعرض والمشاركة.

تعريف التجربة التعليميَّة اليوم كتجربة “بديلة” لا يعني الاستغناء عن التعليم المباشر، لكنّه إشارة إلى الفرص الكامنة التي يمكننا اكتشافها في الفضاء الإلكترونيّ، وإلى إمكانيّة تقبّله بدرجة أقل من السلبيّة والامتعاض، وبمزيد من المتعة. إنّ ما ينبغي علينا فعله في الوقت الراهن هو إعادة التفكير في مخرجات هذه المرحلة، بالتزامن مع احتفائنا بالتجارب المهمّة، التي يمرّ بها الطلبة والمدرّسون، دون لجوئهم إلى “النظام”. إنّ التحدي الحالي هو تطوير مهاراتٍ كابتكار البدائل، وإيجاد الوسائل الأكثر نجاعة في التعامل مع الظروف المستجدّة. ولا يجب أن تقتصر مهاراتُ التكيّف هذه على الأزمة الراهنة، بل أن تُستَثمَر مستقبلاً، وأن ترافقها بنية تحتيَّة وأنظمة أكثر جهوزيّة ومرونة لحالاتِ الطوارئ.