باسل طلوزي | Thursday 4 June 2020

جمال خاشقجي ثأر الجميع

أغلب الظن أنني من أنصار شاعرنا الجاهلي، عندما يتعلق الأمر بالغضب الذي يحدثه التذاكي على شظايا جمال خاشقجي، ولا يضيرني أن أغدو جاهلًا مثل الشاعر الذي أعلنها صريحة على الملأ: “ألا لا يجهلن أحدٌ علينا/ فنجهل فوق جهل الجاهلينا”، سيّما حين تأتي “المُجاهلة” من قتلة خاشقجي الحقيقيين القابعين على هرم السلطة في الرياض، وهم يعلنون أن أبناء جمال صفحوا عن القتلة المأجورين في قعر الهرم. يريد هؤلاء أن أقتنع بأن الصفح لم يكن مفبركًا، وبأن أبناء القتيل لم يخضعوا لأي عصا أو جزرة لقاء التنازل عن دم أبيهم، فالأب قد شبع موتًا، والمستحسن، في مثل هذه الحالة، أن يكون الصلح سيد الأحكام، و”يا دار ما دخلك شرّ”.
لا أستبعد، أيضًا، أن يكون من مسوّغات التنازل التي ساقها “الهرم” لإقناع الأبناء بالصفح، هي عبثية المطالبة بالثأر، بعد أن توزّع جسد جمال قطعًا بين “القبائل”، تأسّيًا بالجاهلية الأولى التي كانت تتبع الخطة ذاتها ليضيع دم القتيل بين القبائل .. وفي الحالين، لم تغادر “الجاهلية” عروق من خطّطوا وقتلوا ثم فرّقوا ومحوا آثار الجريمة من مسرحها الأول، وصولًا إلى مسرح جديد أبطاله أبناء القتيل، كي يطمسوا المعالم من ألفها إلى يائها .. أعني من طمس القتيل إلى طمس القاتل.
أدري أن عقلية القبيلة لم تغادر إطار الحكم السعودي بعد، بدليل أن جريمة اغتيال ناشط وتمزيقه لا ينبغي أن تتجاوز حدود القاتل والمقتول والقاضي، في عرفها. وعليه، لا ينبغي تحميل هذه الحادثة أزيد مما تستحقه، وما دام “وليّ الدم” قد تنازل عن حقّه، فقد أغلق ملف القضية، ولا مدعاة لإقامة الحدّ على أحد، فضلًا عن أن محاولتهم هذه المرّة لا تكتفي بتوزيع القتيل على القبائل، بل تتجاوزها إلى توزيع القاتل أيضًا.
ربما كان أمراء الجاهلية على حقّ، لو كان القاتل فردًا لا دولة، أو لو كان القتيل فردًا عاديًّا لا شخصية عامة؛ ذلك أن من يملك هذه الشخصية هم “العامّة”، ولكل فردٍ منهم الحق بالمطالبة بثأر قتيلهم، فكيف إذا توسّع إطار “العامّة”، ليشمل كل معارض على وجه الأرض، وكلّ صحفيّ لم يبع قلمه كما فعل جمال، وكلّ منفيّ فرّ برأيه وفكره من إرهاب نظامه كما فرّ جمال، وكلّ مؤمنٍ بحقوق الإنسان كما آمن جمال، وكلّ من سعى إلى إشاعة الحرية والديمقراطية في بلده، كما سعى جمال؟
في مثل هذه الخضمّ الواسع، تنفسح دائرة المطالبين بالثأر؛ ويصبح من حق أيّ واحدٍ منهم أن يتمسّك بثأره، حتى لو تنازل رفاق الطريق برمّتهم عن دم جمال، بمن فيهم أبناؤه؛ فكم من حلم بالحرية تمزّق مع جسد جمال، وكم من قلم شريف تهشّم مع قلم جمال، حين أدرك أن لا مستقبل للكلمة الحرّة في هذه الفلوات العربية التي لم تزل محكومةً بجهل حكّام فيها واستبدادهم.
لا أحد يملك الحقّ بالصفح عن قتلة جمال. تلك حقيقةٌ على أمراء الجهل أن يتيقّنوا منها قبل أن يدفعوا بالأبناء فوق عظام الآباء التي لم يُمط أحدٌ اللثام عنها بعد، مع إدراكنا أن القتلة الحقيقيين المتوارين خلف الستار كانوا يدركون أن إدانتهم تتصل بإدانة الدمى التي أرسلوها لاغتيال جمال. وربما لهذا السبب خرجوا علينا بمسرحية الصفح، ففي السياسة ما من قاتلٍ معلن إلا ووراءه قاتلٌ مستتر، ولا كاتم صوت إلا ووراءه صوتٌ مريع.
أما دم جمال الذي أرادوه موزّعًا ليضيع، فقد انقلب عليهم بعدما تعدّدت القبائل بتعدّد أجزاء جسده الممزق، والتي لن تتنازل عن ثأره أبدًا، لأن كلًّا منها صار يعتبره فردًا من صلبها، ومن نسل آمالها الذي لم ينقطع أبدًا، ومن شوقها وحلمها الطويل بالحرية.