رصيف 22 | Tuesday 21 July 2020

تضييق أمني على الصحافيين… مخاوف من تصاعد وتيرة القمع في لبنان

“إذا بتريدوا، أعملوا معروف فلّوا”، بهذه العبارة حاولت عناصر من جهاز أمن المطار تجميل اعتدائها على المراسلين والمصورين الذين تعرّضوا للضرب والدفع داخل حرم مطار بيروت الدولي، أثناء تغطيتهم إعادة فتحه في الأول من تموز/ يوليو الحالي.

هذا ما يرويه المصوّر في صحيفة “دايلي ستار” حسن شعبان. كان متواجداً هنالك لتغطية عودة المغتربين إلى لبنان، بعد إقفال دام نحو أربعة أشهر.

يقول لرصيف22: “دفعونا بعنف لمنعنا من التصوير، عندما بدأ مراسلو التلفزيونات بالتحدث مع المسافرين الممتعضين من إجراء فحص الـPCR مرتين لهم، وعدم تحقيق التباعد الاجتماعي. لم يعجب الأمر عناصر جهاز أمن المطار. طلبوا تغطية المؤتمر الصحافي لوزيري الصحة والأشغال لمنع الصحافيين من إكمال المقابلات مع المسافرين، لكننا رفضنا ذلك فراحوا يدفعوننا بالقوة وثم بدأوا بضربنا”.

“هذا ليس الاعتداء الأول من نوعه على الصحافيين من قبل عناصر الأجهزة الأمنية، لكنه مختلف لجهة مستوى التطاول على الصحافيين بالشتم والضرب”، بحسب شعبان الذي يضيف: “هم يستغلون سلطتهم لتخويفنا ليس أكثر، والنقمة علينا مردّها أننا ننقل الحقيقة وهم يريدوننا أن نجمّل الواقع”.

مِثل شعبان، تعرّض كثيرون من الصحافيين والمصورين لاعتداءات في الفترة الأخيرة. كلّما تحتدم المواجهات في الميدان، يتعرّض الجسم الإعلامي للأذى.

خلال ثورة 17 تشرين، كثرت المشاهد التي وثقت الاعتداء المباشر على الصحافيين، أثناء تأديتهم واجباتهم، وانسحبت هذه الممارسات إلى فترة ما بعد رفع إجراءات تقييد الحركة بسبب كورونا، فيما يشهد لبنان أسوأ أزمة اقتصادية ومعيشية في تاريخه الحديث.

ومؤخراً، في 28 حزيران/ يونيو 2020، اعتدت عناصر من الجيش اللبناني بالضرب على خمسة مصورين خلال تغطيتهم احتجاجات شعبية خرجت اعتراضاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، على أوتوستراد جل الديب-أنطلياس، ومن بينهم مصوّر صحيفة “نداء الوطن” اللبنانية فضل عيتاني الذي تعرّض للضرب، فيما حاول أحد عناصر الجيش تكسير كاميرته.

يروي عيتاني لرصيف22: “أثناء تغطيتي المواجهات بين الجيش والمتظاهرين يومها، تعرّضت للعنف أربع مرات من عناصر مختلفين، ولم نسلم أنا وزملاء آخرين من القوة المفرطة الممارسة على المتظاهرين. لم يحترموا أننا صحافيون نؤدي واجبنا على الأرض لنجني لقمة عيشنا، وهم بذلك يعتقدون أنهم يخفون حقيقة ما يجري في الساحات”.

ويضيف: “للأسف، ازدادت الاعتداءات علينا لأنّه ليس هناك مَن يحاسب. الضابط، كما العناصر، هو في أكثر الأحيان شريك في الاعتداء علينا. ورغم ذلك لن نتوقف عن أداء رسالتنا ونقل الحقيقة”.

سيف الاستدعاءات

لا يقتصر الأمر على الاعتداءات على الصحافيين. كثيرون استُدعوا للتحقيق معهم على خلفية إعدادهم تقريراً أو كتابتهم مقالاً صحافياً، والأغرب هو الشكاوى التي يرفعها مسؤولون في السلطة على صحافيين بحجة كشفهم للفساد.

المثال الأقرب على ذلك استدعاء القضاء اللبناني للصحافي في تلفزيون “الجديد” رياض قبيسي للتحقيق معه في دعوى مقدمة من مدير عام الجمارك بدري ضاهر، بجرم تحقير موظف عام وإفشاء سرية التحقيق، على خلفية ما تضمنته حلقة من برنامجه “يسقط حكم الفاسد”.

يقول قبيسي الذي مثل أمام النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان، في 10 تموز/ يوليو، لرصيف22: “لنرى كيف ستتعامل القاضية نازك الخطيب مع هذا الملف. رغم أنني ضد مثول الصحافيين إلا أمام محكمة المطبوعات، لكنني قبلت التكلم أمام القاضية لأنها قالت إنها ستستخدم قانون حماية كاشفي الفساد”، وطلبت منه تقديم المستندات التي تثبت ما قاله عن بدري ضاهر. مثل قبيسي وقدّم بعض ما لديه من معطيات، ورفض تقديم تعهد بعدم التعرض الشخصي لمدير عام الجمارك.

وقبل قبيسي، استدعت المباحث الجنائية الإعلامية ديما صادق على خلفية دعوى من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي اتهمها بالإساءة إلى سمعة المصارف وتحريض الطبقة الفقيرة عليه بعد فيديو نشرته في نيسان/ أبريل الماضي.

تزايد القمع

هذه ليست سوى نماذج قليلة من التضييق على حرية الصحافة. في السادس من تموز/ يوليو، اعترض عنصران بلباس مدني، عرّفا عن نفسيهما بأنهما من مخابرات الجيش اللبناني، فريق عمل قناة “فرانس24” ومراسلة محطة الشرق في بيروت مها حطيط طالبين منهم الحصول على ترخيص مسبق من مديرية التوجيه في الجيش اللبناني للسماح لهم بإجراء وتصوير مقابلات مع المواطنين في شارع الحمرا.

“لم نسلم أنا وزملاء آخرين من القوة المفرطة الممارَسة على المتظاهرين. لم يحترموا أننا صحافيون نؤدي واجبنا على الأرض لنجني لقمة عيشنا، وهم بذلك يعتقدون أنهم يخفون حقيقة ما يجري في الساحات”

ففي خطوة جديدة، تمّ تفعيل هذا الإجراء الذي يعود الى نهاية القرن الماضي، ويقيّد حرية عمل الصحافيين. أثار الخبر انتقادات واسعة في الوسط الصحافي، فأصدرت مديرية التوجيه بياناً ترد فيه بالقول إن هذا الإجراء معتمد دائماً ويهدف إلى تأمين سلامة الإعلاميين أنفسهم.

ووفق مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية في بيروت، “سكايز”، في تقاريره الشهرية عن انتهاكات الحريات الإعلامية والثقافية في المشرق، تعددت أشكال الانتهاكات بحق الصحافيين والمصورين في لبنان، لا سيما خلال تغطيتهم التظاهرات المطلبية، وطالت سبعة منهم في شهر أيار/ مايو الماضي، وأوقف مذيع عن العمل واستُدعي صحافي وإعلامية للتحقيق معهما على خلفية منشورات لهم، فيما أوقفت الأجهزة الأمنية في لبنان في شهر نيسان/ أبريل الماضي صحافياً وسبعة ناشطين خلال وقفة احتجاجية، وحقّقت مع اثنين بسبب منشورات.

مناخ عام

تجري هذه الانتهاكات بحق الصحافيين، في وقت تزداد فيه القيود على حرية التعبير والنقد في لبنان، وربما ليس آخرها طلب ملاحقة كل مَن يطال مقام رئيس الجمهورية، في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بجرم القدح والذم والتحقير.

ويُبدي عدد من الصحافيين والناشطين رفضهم لمثل هذه الممارسات ويعيش معظمهم القلق مما ستؤول إليه الأمور في الفترة المقبلة كون تردي الوضع المعيشي في لبنان يفرض عليهم إيصال صوت الناس الذين يوجّهون انتقادات كثيرة لأداء السلطة التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه.

تقول سكرتيرة تحرير موقع “درج”، الصحافية ديانا مقلد لرصيف22 إن “جميع المؤشرات الراهنة توحي بأننا ذاهبون إلى مزيد من التضييق والتطويق لحرية التعبير وحرية الإعلام”.

وتضيف: “تعوّدنا في لبنان أن نناصر صحافيين وناشطين يتعرضون للقمع في عدد من الدول العربية على يد أنظمتهم الاستبدادية، وللأسف اليوم نشعر بأنّ لبنان يتحوّل إلى دولة مماثلة”.

“جوّ تراجع حرية التعبير في لبنان مقلق جداً، ويبدو أنّه سيتخذ شكلاً تصاعدياً، وعلينا واجب حماية هذا الحق، تحديداً في زمن الانهيار الاقتصادي، لأن الحق في حرية التعبير هو خط الدفاع الأول والأخير عن بقية الحقوق”

وتشير مقلد إلى كمية الاستدعاءات والتحقيقات التي أصبحت مقلقة جداً. فمثلاً منذ عام 2015 وحتى اليوم هناك 4000 دعوى مقدمة عبر مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية لوحده.

وتنتقد عدم الإعلان عن تفاصيل مشروع قانون الإعلام الجديد وتولي الجيش طلب استمارات للسماح بالتغطيات الصحافية، في حين يفترض أنّه مسؤول عن حماية الحدود وفي الجبهات الحربية، متساءلة: “هل هناك نية لتحويل لبنان إلى بلد أمني وبوليسي؟”.

في ظل هذه الأجواء، أطلقت 14 منظمة محلية ودولية، في 13 تموز/ يوليو، تحالفاً للدفاع عن حرية التعبير في لبنان، للتعبير عن رفض هذا المسار والتصدّي له.

وكان مصوّرون وإعلاميون قد نفّذوا، في 2 تموز/ يوليو، وقفتين رمزيتين أمام وزارتي الإعلام والداخلية استنكاراً لما تعرّض له زملاؤهم من اعتداء أثناء تغطيتهم استئناف حركة الملاحة في المطار.

تصف الباحثة في شؤون لبنان في منظمة العفو الدولية سحر مندور ما يشهده لبنان بأنّه “مضايقات ومفاوضة على حرية التعبير يقودها النظام في الدولة عبر الأجهزة الأمنية ويساهم في ذلك القضاء حين يرفع الشكاوى لتصبح لدى الأجهزة الأمنية”.

وتقول مندور لرصيف22: “أظن أن مهنة الصحافة تعيش خطراً كبيراً، على مستوى حرية التعبير، إذ إنّ هذا الحق أصبح قيد المساومة مع الأجهزة العسكرية والقانون لا يحمي الصحافيين، والسؤال في المرحلة المقبلة هل سنتجه نحو تجارب أكثر قمعية حيث الصحافي يكون عرضة للتوقيف والضرب والترهيب المباشر، أم سنعيش حالة من المفاوضة المستمرة على هذا الحق؟”.

وتضيف أنّ “هذا الجو مقلق جداً، ويبدو أنّه سيتخذ شكلاً تصاعدياً، وعلينا واجب حماية هذا الحق، تحديداً في زمن الانهيار الاقتصادي، لأن الحق في حرية التعبير هو خط الدفاع الأول والأخير عن بقية الحقوق”.

مكمن الخلل

“الخلل قائم على المستويين السياسي والقضائي، فجميع المؤشرات تدلّ على أن السلطة السياسية تسعى إلى قمع الناس، من خلال تذكيرهم بضرورة عدم المس بهيبة الدولة والمقامات والمؤسسات العسكرية وبأنّ هذا الأمر يعاقَب عليه”، تقول مديرة البرامج في مؤسسة مهارات ليال بهنام لرصيف22، وتضيف: “هي بذلك تمارس القمع على الناس ومن ضمنهم الصحافيين، كونها لا تريد فضح أي انتهاكات، علماً أننا في وقت أحوج ما نكون فيه إلى رفع الصوت وفضح الأمور كصحافيين”.

وتلفت بهنام إلى إجراءات القوى الأمنية والجيش الجديدة لجهة حمل آلات تصوير لتوثيق هوية الأشخاص المتواجدين على الأرض وفي الساحات ومن بينهم الصحافيين الذين يمارسون دورهم ومهامهم، ما يشكل تضييقاً كبيراً عليهم.

وتتابع: “أما على مستوى القضاء، فنرى أن النيابات العامة تستدعي الصحافيين للتحقيق معهم، وحتى المحكمة العسكرية، والقوانين الحالية لا تدعم الحريات وجميعها لا تحمي حرية العمل الصحافي، وبالتالي هامش النقد يصبح ضيقاً كثيراً، ناهيك عن المفاهيم الفضفاضة مثل المس بهيبة الدولة والقضاء والمؤسسات العسكرية، وملاحقة ناشري الأخبار الكاذبة في وقت يجب مقاربة هذه المسائل بطريقة مختلفة وليس عبر القمع”.