خولة بو كريم | Monday 29 June 2020

المغرب: الخيارات تضيق في وجه الصحافة المستقلة

يرى كثيرون أنه وخلال العشرين سنة الماضية حصل انفراج على مستويات الحريات عموماً في المغرب، لكن ما إن تختلط الأوراق حتى يعود وجه الدولة البوليسي.

لم تمنع جائحة “كورونا” السلطات المغربية من مواصلة ملاحقة الصحافيين، وبخاصة أولئك الذين عرفوا بنقدهم الممارسات الحكومية عبر تحقيقاتهم ومقالاتهم.

ولعلّ جريدة “أخبار اليوم” المغربية والتي تعتبرها منظمات حقوقية دولية “آخر القلاع الصحافية المستقلة” في المغرب، كانت مسرحاً لأحداث مأساوية خلال الشهور الماضية، مع سلسلة من الاعتقالات والمحاكمات، آخرها في 22 أيار/ الماضي. حينذاك قُبض على رئيس تحريرها سليمان الريسوني. وهو اعتقال أدانه مجلس جنيف للحقوق والحريات معتبراً أنه تعسفي ويفتقر للسند القانوني.

سليمان الريسوني

قبل اعتقال الريسوني، اعتُقل مالك الجريدة نفسها، الصحافي توفيق بوعشرين، وحُكم عليه بالسجن 15 سنة، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، لإدانته بـ”جرائم جنسية والاتجار بالبشر”، في محاكمة انتقدتها الأمم المتحدة عبر مجلس حقوق الإنسان التابع لها، الذي دعا السلطات المغربية إلى إطلاق سراح بوعشرين، مشيراً إلى أن “اعتقاله مخالف للقانون”، وأن “حرمانه الحرية تعسفي”.

عفاف البرناني هي الأخرى صحافية مغربية تعمل في النسخة الإلكترونية في “أخبار اليوم”. تركت بلادها بعدما أدينت بسرعة قياسية بالسجن النافذ على خلفية قضية الصحافي توفيق بوعشرين. تؤكد لـ”درج” أن القضية التي أثيرت ضدها سببها رفضها الشهادة ضد توفيق بوعشرين. وتشير إلى أن “السلطة تتعامل مع الجريدة وكتابها بأسلوب قمعي وانتقامي”. 

عفاف على رغم خروجها القسري من المغرب، إلا أنها ما انفكت تنشر مقالات من منفاها تساند فيها الريسوني، آخرها “إن سجنوك فلن يستطيعوا سجن الحقيقة”.

بقي المغرب في المرتبة 135 للتصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2019، والذي تعده “منظمة مراسلون بلا حدود”، كما كان عام 2018.

وتقول “مراسلون بلا حدود” إن “السلطات المغربية تتعمد عرقلة عمل وسائل الإعلام الوطنيّة والأجنبية التي عملت على ملف حراك الريف أو ملف الهجرة الذي يُعتبر ممنوعاً”.

المغرب في المرتبة 135 للتصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2019.

الصحافية هاجر الريسوني (العاملة في الجريدة ذاتها)، وهي ابنة أخت سليمان الريسوني كانت هي الأخرى محل تتبع السلطات المغربية في فترة اعتقال توفيق بوعشرين، أي تشرين الأول 2019. وجهت لها السلطات المغربية وقتها تهمتي دفع رشوة وإجراء عملية “إجهاض” غير قانونية. في حين اعتبرت منظمات حقوقية في المغرب أن قضيتها مفتعلة من السلطة، وهي رد فعل انتقامي بسبب مقالاتها الناقدة لمسؤولين كبار ومقربين من القصر.

تؤكد هاجر الريسوني لـ”درج” أنه لا يمكن الحديث اليوم في المغرب عن حرية الصحافة وحرية التعبير، في ظل الاعتقالات والمحاكمات المتتالية للصحافيين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، والتضييقات التي تتعرض لها مؤسسات صحافية مستقلة على قلتها، إن من خلال حرمانها من الإعلانات أو محاصرتها في التوزيع وحرمانها من دعم الدولة.

يرى كثيرون أنه وخلال العشرين سنة الماضية حصل انفراج على مستويات الحريات عموماً في المغرب، لكن ما إن تختلط الأوراق حتى يعود وجه الدولة البوليسي، وذلك يظهر بشكل جلي من خلال التراجع الحقوقي خلال الخمس سنوات الأخيرة .

الصحافي الاستقصائي عبد اللطيف الحماموشي، وعضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان يرى أن الحريات الصحافية في المغرب ترزح تحت سلطوية قمعية، كانت في أواخر التسعينات “ناعمة” أي نسبية، تسمح بحيز صغير من حرية تعبير. لكن مع الأسف اليوم باتت السلطة تكبح بعنف أي صوت حر وأي صحيفة مستقلة أو جمعية حقوقية تنتقد النظام والأجهزة الأمنية.

يؤكد الحماموشي لـ”درج” أن السلطوية القمعية الموجودة الآن في المغرب تلعب فيها الأجهزة الأمنية دوراً خطيراً يمس الحريات الإعلامية. وهذه الأجهزة أصبحت تستخدم أذرعاً إعلامية، وتبث نوعاً جديداً من  “الصحافة” تدعى “صحافة التشهير”. هذه الصحافة هدفها الأساسي التشهير بالمعارضة المستقلة والمعارضين، من حقوقيين، كتاب، باحثين، صحافيين، وتقوم مضامينها أساساً على اختلاق أحداث لا أساس لها من الصحة، أو تحوير وقائع أحداث حصلت وتحريفها، والإساءة إلى الأفراد ومغالطة الرأي العام.

يشير الحماموشي إلى أن هذه الجرائد لا تخفي تعاملها مع الأمن، فهي تنشر معلومات قضائية وأمنية عن أشخاص، لا يمكن الوصول إليها إلا عبر تسريب المحاضر التي تكون لدى الشرطة القضائية ولا تمكن معرفتها إلا من مصادر أمنية عليا نافذة. 

الصحافي المغربي مصطفى الأسعد، رئيس تحرير الجريدة الإلكترونية “المغرب الآن” يرى أن حرية الصحافة في المغرب حققت مكاسب ملموسة إلا أن الصحافيين المغاربة ما زالوا يعانون وخصوصاً في مجال دعم “المقاولات الصحافية” الهشة والمقاولات الصغيرة واحتكار الدعم الحكومي من المقاولات الكبيرة وهو أمر غير مفهوم. 

ويشير الأسعد إلى “مظاهر الواقع المأساوي للإعلام المغربي والتي تبرز عبر صحافة “التشهير” غير المهنية التي تضرب عرض الحائط القواعد المهنية والأخلاقية. كما أنها بعيدة من خلق إعلام قادر على محاربة الفساد والمساهمة في الرقي المجتمعي من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة وتكريس مفاهيم الشفافية والعدالة”.

ترؤس مغربي المنظمة التي تضم 187 نقابة صحافية و600 ألف صحافي حول العالم، لم يكبح جماح السلطة في قمع الصحافيين المغاربة وتكميم أفواههم بالمحاكمات والتشهير.

وحول المكاسب التشريعية للصحافيين المغاربة في الآونة الأخيرة، تعلق هاجر الريسوني بأن “الدولة تحاول أن تسوق نفسها في الخارج بأنها تحترم الحقوق والحريات من خلال وضع ترسانة قانونية خاصة بالصحافة والإعلام خالية من العقوبات السجنية، لكن بالمقابل يُحاكم الصحافيون بالقانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر، وتُختلق لهم تهم على علاقة بالحق العام عوض الصحافة والنشر، حتى يُقتَل أولاً الصحافي رمزياً أمام الرأي العام، ثانياً ترويج أن اعتقاله بسبب ارتكابه جناية مثله مثل المواطنين العاديين”. 

وهذا الطرح يتم ترويجه من خلال الصحافة التابعة لأجهزة الدولة التي أصبحت اليوم تمثل الأكثرية في الحقل الصحافي في المغرب، إضافة إلى استعمال أسلوب التشهير واستعمال الحياة الخاصة للصحافيين لتصفية الحسابات معهم. 

يذكر أن رئيس النقابة الوطنية للصحافية المغربية الأسبق يونس مجاهد، انتُخِب رئيساً للاتحاد الدولي للصحافيين، خلال إشغال المؤتمر الثلاثين للاتحاد المنعقد في تونس، في حزيران 2019. 

ويرى مراقبون لوضع الحريات الصحافية في المغرب، أن ترؤس مغربي المنظمة التي تضم 187 نقابة صحافية و600 ألف صحافي حول العالم، لم يكبح جماح السلطة في قمع الصحافيين المغاربة وتكميم أفواههم بالمحاكمات والتشهير.

وفي قضية سليمان الريسوني الذي اعتقل في أيار الماضي، على إثر شكوى تقدم بها الناشط الحقوقي والكويري آدم محمد، ضد الريسوني اتهمه فيها بـ”هتك العرض بالعنف والاحتجاز”، يرى صحافيون وحقوقيون مغاربة القضية في سياق ضغط من السلطة ضد ريسوني. في المقابل دانت 8 منظمات حقوقية مغربية تعمل في مجال الدفاع عن حقوق مجتمع الميم تصريحات بعض الحقوقيين/ات، التي ترى في هذه القضية حسابات سياسية وتعمل بذلك على تسكيت حق الضحية في العدالة وطمسه. واعتبرت المنظمات أن قضية الريسوني وآدم، ليست قضية سياسية تمس بحرية الصحافة بقدر ما هي قضية ضحية تعرضت لاعتداء جنسي وعلى المعتدي، في حالة ثبوت التهم المنسوبة إليه، أن يحاسَب ورفضت التشكيك في صدقية آدم، وتسكيت كل ضحايا العنف من طرف أفراد مهما كانت خلفيتهن/م أو نضالاتهم/ن كما اعتبرت أن هذه السلوكيات التي تشمل لوم الضحية، الاتهام، التشهير، والاتهام بالخزي والعهر هي تطبيع مع ثقافة الاغتصاب والاعتداءات الجنسية. 

موقف رفضته هاجر الريسوني معتبرة قضية عمها سليمان مجرد حلقة من مسلسل تصفية الحسابات معه، بسبب افتتاحياته النقدية لمؤسسات ورجال في الدولة، لم يسبق أن تجرأ على انتقادهم على حد تعبيرها. إضافة إلى أن عملية اعتقاله سبقتها حملة تشهيرية واسعة وتم التنبؤ بيوم الاعتقال.

وتعتبر الريسوني أن اعتقاله جاء تعسفياً نظراً إلى أنه لم يصله أي استدعاء لأن مثل هذه القضايا تكون فيها المتابعة في حالة سراح نظراً لغياب حالة التلبس، ونظراً إلى غياب القرائن التي تتبث ادعاءات المدعي، وعدم احترام قرينة البراءة. كما مُنع من التواصل مع محاميه لأكثر من أسبوعين منذ نقله إلى السجن، مع استمرار اعتقاله وتأجيل جلسة التحقيق التفصيلي لشهرين من يوم اعتقاله، وهو ما يمنعه من الحق في تجهيز دفاعه في حين أن المدعي يتحرك بكل حرية ويراسل المنظمات والجمعيات ويقود حملة ضد سليمان الريسوني على حد تعبيرها.

 الصحافي والناشط الحقوقي عبد اللطيف الحامومشي يشير الى أن النظام أصبح يضيق صدره بالانتقادات والأفكار التي لا تعجبه، ما أدى إلى اعتقال بوعشرين، ومن بعده سليمان الريسوني.

يؤكد الحامومشي لـ”درج” أن الريسوني كان ينتقد في مقالاته اليومية القصر والأجهزة الأمنية والتي أصبحت مقدسة على حد تعبيره ولا أحد يجرؤ على الخوض في مشكلاتها. كما كان ينتقد بطريقة ملفتة أداء النيابة العامة والذي صرح رئيسها سابقا، بأنه لا تمكن محاسبته أمام البرلمان بل الملك هو الوحيد المخول لمساءلته ومحاسبته. يضيف الحامومشي: “الريسوني صحافي شجاع، يسمي الأشياء بأسمائها، ويمكن القول إن افتتاحياته التي عوضت توفيق بوعشرين وسدت فراغ كتابته أزعجت النظام، كانت أكثر جرأة في انتقاد الخطاب الرسمي”.

ويضيف: “أنت صحافي/ة مغربي/ة إذاً أمامك الخيارات التالية، إما النفي والخروج من المغرب وطلب اللجوء كما حدث مع هشام المنصوري أو الاستسلام في صحافة “السلطة” أو تغيير المهنة أي التحول من صحافي إلى أستاذ جامعي وباحث، وفي حال اخترت الثبات على مبادئك والبقاء في المغرب، فعليك تحمل تبعات ذلك”.