هبة أنيس | Tuesday 9 June 2020

أسر مصرية تنتظر “الغائب”… متى يعود المخفيون قسراً؟

جهّزت الأمّ طاولة الطعام، وظلت تنظر إلى مقعد ابنها الخالي. هذا حالها كل يوم، منذ 458 يوماً، بعدما اختفى الطالب عمرو عزب البالغ من العمر 25 عاماً.

تقول الأم أمل سعد إن نجلها كان في السنة الأخيرة في كلية الطب، واختفى منذ الثالث من آذار/ مارس 2019، ولم يظهر حتى كتابة تلك السطور. طرقت أسرته أبواب عدة للبحث عنه، لكن دون رد أو استجابة، وقدّمت بلاغاً للنائب العام المصري حول اختفائه.

شهود عيّان أخبروا أسرة عمرو أنه ألقي القبض عليه وهو في طريقة إلى الكلية، فبدأت الأسرة رحلة بحث في مقرات الشرطة وأماكن الاحتجاز، ولم يجدوه، ولم يجدوا أيضاً إجابة شافية على سؤالهم الذي أصبح محور حياتهم، “عمرو فين؟”. تأتيهم دائماً نفس الإجابة: “منعرفش”.

مرّت أعياد ومناسبات عدة، منها شهر رمضان مرتين، تروي الوالدة لرصيف22، دون وجوده معها. أصبحت الحياة “دون طعم أو لون”، تقول، فالأيام جميعها صارت رحلات بحث عن نجلها المفقود.

أمل لا ينتهي

الأمر يتكرر في منزل أسرة معتز صبيح، المخفي منذ 11 شهراً. قضى عقوبة مدتها ثلاث سنوات في سجن العقرب، أحد السجون المصرية، على ذمة القضية رقم 148 عسكرية، بتهمة الانضمام إلى جماعة محظورة، ولكن عندما صدر قرار الإفراج عنه “باثاً الأمل في نفوس أسرته”، كما قالت والدته فاطمة لرصيف22، ورُحّل إلى قسم شرطة شبرا الخيمة، لإنهاء إجراءات خروجه، اختفى أثره ولا يزال.

معتز (25 عاماً) هو طالب في كلية الهندسة. ألقي القبض عليه في المرة الأولى من المنزل، وسُجن. خلال فترة سجنه، كانت والدته تزوره في سجن العقرب، وظلت لمدة ثلاثة أعوام تتحمل عناء الذهاب إليه كل 15 يوماً.

تروي الوالدة أن معتز “كان سندي”. بعد زواج شقيقه محمد، ووفاة شقيقه محمود قبل تسعة أعوام، صار معتز الابن المقيم بشكل دائم معها، حتى إلقاء القبض عليه.

في أعوام سجنه، وصل إلى السنة الثالثة في كلية الهندسة، شعبة الاتصالات، وبعد اختفائه قدّمت الأم طلباً للجامعة يتيح له استكمال دراسته حينما يظهر. ولا تزال تنتظر ما تصفه بـ”انتهاء الكابوس”.

“الأيام شَبَه بعضها، مفيش فيها جديد، بنستنى نشوف أي محامي ناشر حاجة عن ظهور مختفين قسرياً وبدعي يكون معتز منهم، حتى المحامي مفيش في إيده حاجة يقدمها ولا حاجة تتعمل”، تقول الأم التي لا تخفي قلقها من انتشار وباء كورونا في أماكن الاحتجاز، وانتقاله إلى المعتقلين.

ودور المحامي في هكذا حالات يقتصر على تقديم بلاغات إلى النائب العام، تطالب بالكشف عن مكان المخفيين قسرياً، وينتظر الرد أو ظهور الشخص المخفي.

دعوات لعودة الغائب

الدموع لم تجف ومحاولات البحث مستمرة في منزل أسرة أحمد عبد العليم، المخفي منذ ثمانية أشهر. بعد وفاة زوجها الذي كان يعاني من مرض ألزهايمر وضمور في المخ صار أحمد المعيل الوحيد لأمه.

لم تكد الأم تستفيق من صدمة خسارة زوجها حتى وجدت نفسها أمام صدمة جديدة وهي غياب نجلها.

“الأيام شَبَه بعضها، مفيش فيها جديد، بنستنى نشوف أي محامي ناشر حاجة عن ظهور مختفين قسرياً وبدعي يكون ابني منهم، حتى المحامي مفيش في إيده حاجة يقدمها ولا حاجة تتعمل”، تقول والدة شاب مصري مخفي قسراً

تروي الوالدة، سلوى أحمد، لرصيف22 أن أحمد توجّه إلى مدينة دهب الساحلية، لقضاء عطلة صغيرة، ولكنها ظلت تنتظر عودته ولم يعد.

أُغلق هاتفه المحمول، وبدأت رحلة البحث عن الشاب الذي يبلغ من العمر 26 عاماً والطالب في السنة الأخيرة في كلية إدارة الأعمال.

علمت الأم أن نجلها لم يدخل مدينة دهب، وبعد فترة تلقت اتصالاً من قسم شرطة أبو رديس التابعة لمدينة جنوب سيناء، حيث تقع مدينة دهب الساحلية، لاستلام متعلقاته الشخصية. ذهبَت وسألت عن نجلها فأخبروها أنهم لا يعلمون عنه شيئاً، ووجدوا متعلقاته الشخصية فقط، ومنها بطاقة الرقم القومي وحافظة النقود الخاصة به.

وتلقت الأم اتصالاً من سائق عثر على هاتفه المحمول وحقيبته، في منطقة أبور رديس أيضاً.

عُلّقت صور في مدينة سيناء، وكُتبت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن أحمد، دون جدوى. قدّمت الأم ومحامون بلاغات للنائب العام والجهات المختصة دون رد أيضاً.

تحاول الأم أحياناً إقناع نفسها بأن ابنها توفى، ولكن هذا الأمر لا تستطيع تصديقه، “فلو مات أين الجثة؟”، بحسب قولها. أيضاً متعلقاته الشخصية كما هي والأموال التي كانت بحوزته كاملة لم تنقص، ما يُبعد شبهة اختفائه بدافع السرقة أو الاعتداء عليه، ليظل التفسير الوحيد هو أن جهة ما أخفته قسرياً.

عام ونصف من الانتظار

مرّ عام ونصف على اختفاء حسين محمد البالغ من العمر 15 عاماً. ألقي القبض عليه في الشارع. كان يشاهد مبارة كرة قدم في أحد المقاهي ثم ألقت قوات الأمن القبض عليه.

ظلت الأسرة لا تعلم أي شيء عن مكان احتجازه، وبعد ثلاثة أشهر من البحث والتواصل مع محامين، أبلغهم واحد منهم أنه بحوزة الأمن الوطني في أحد مقرات الاحتجاز.

“مش عارفين أخويا عامل إيه ولا بياكل إيه ولا يشرب إيه ولا نايم إزاي وهو طفل معملش حاجة”، تقول أخت شاب مصري مخفي قسراً

تقول “أم ساجدة”، شقيقة حسين لرصيف22 إنها وأسرتها لا يعلمون سبب اختفاء شقيقها أو الدفع به في قضية سياسية، لصغر سنه وبُعده عن جميع الأنشطة السياسية.

“مش عارفين أخويا عامل إيه ولا بياكل إيه ولا يشرب إيه ولا نايم إزاي وهو طفل معملش حاجة”، تقول وتضيف: “في الظروف دي وانتشار الكورونا القلق والخوف محاوطنا من كل ناحية ومش عارفين ننام ونفسنا نتطمن عليه”.

المخفيون… أين هم؟

تختلف الميول والاتجاهات السياسية للأسر المصرية التي لديها أفراد مخفيين قسرياً، كما تختلف فئاتهم الاجتماعية وأماكن تواجدهم.

حالات الاختفاء القسري عديدة في مصر، وأبرزها حالة الدكتور مصطفى النجار الذي اختفى قبل أيام من إصدار حكم بحبسه ثلاث سنوات، بعد إدانته بتهمة إهانة القضاء، مع عدد من المعارضين والناشطين السياسيين والحقوقيين، في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2018.

وزارة الداخلية المصرية نفت أكثر من مرة في بيانات القبض على النجار، وألزمت محكمة مصرية وزارة الداخلية بالكشف عن مكان اختفائه، في كانون الثاني/ يناير الماضي، رغم تكرار نفي الوزارة أنها تحتجزه لديها، ما منح لأسرته أملاً جديداً بأن يكون حياً، وهو الأمل الذي تنتظره العديد من أسر المخفيين.

مركز الشهاب لحقوق الإنسان، وهو أحد المراكز المهتمة بالدفاع عن حقوق المعتقلين والمخفيين قسراً، أكّد أن عدد المخفيين قسراً منذ بداية عام 2013 وصل إلى أكثر من 6000 شخص، ومن الممكن أن يكون الرقم أكبر بسبب عدم الإبلاغ عن كل حالات الاختفاء، وعدم تسجيلها بشكل رسمي.

يوضح محامٍ مصري مطلع على الملف، ويفضّل عدم ذكر اسمه، لرصيف22 أن حالات الاختفاء القسري كثيرة، وأماكن احتجاز المخفيين لفترات طويلة عديدة، فهناك مَن يظل في المقرات الرئيسية لأمن الدولة، أو في مكاتب الأمن الوطني في أقسام الشرطة، مع نفي القسم وجود المخفي فيه، وهناك أيضاً مَن يختفي في معسكرات الأمن المركزي، أو مديريات الأمن المختلفة في المحافظات المصرية.

ويضيف المحامي أن كثيرين من المعتقلين في مصر يتعرضون للإخفاء القسري، ومنهم مَن تصل مدة إخفائه إلى بضعة أيام أو شهر، ثم يظهرون في نيابة أمن الدولة للتحقيق معهم، ومنهم مَن يختفون لمدد أطول، لعام أو أكثر.

ويشير إلى أن جميع التيارات السياسية المعارضة يتعرّض ناشطوها للإخفاء، ولكن عادة يكون المخفيون لفترات طويلة مصنّفين على أنهم منتمون للتيار الإسلامي، وعند ظهورهم يوضعون على ذمة قضايا تتعلق بتنظيم خلايا إرهابية أو التخطيط لعمليات تفجير، أو تلقي تمويل أجنبي، بعكس تهم نشر الأخبار الكاذبة أو الانضمام إلى جماعة محظورة التي عادة ما يُتّهم بها المخفيين لفترات أقل.

ويلفت إلى أنه بعد ظهور المخفيين في نيابة أمن الدولة للتحقيق معهم، يُكتب في محضر الضبط أنه ألقي القبض عليهم بتاريخ التحقيق أو قبله بيوم واحد، ولا تُثبت فترة الغياب.

وتعرّف “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري” الاختفاء القسري بأنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون”.

وتؤكد أنه “لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري”، و”لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان… لتبرير الاختفاء القسري”، وتذكّر بأن هذه الممارسة تشكّل “جريمة ضد الإنسانية كما تم تعريفها في القانون الدولي”.